غزة
- nakba memory museum
- 23 يونيو
- 7 دقيقة قراءة
قضاء غزة ومدينتها
يقع قطاع غزة على طول الحدود الجنوبية الغربية لفلسطين، ممتداً على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وإلى الشمال الشرقي من شبه جزيرة سيناء المصرية. وهو أحد منطقتين منفصلتين من أرض فلسطين تحت الانتداب (والمنطقة الأخرى هي الضفة الغربية على طول نهر الأردن) اللتين لم تحتلهما القوات الصهيونية عام 1948؛ وبالتالي لم يُصبح جزءاً من دولة إسرائيل الناشئة آنذاك. يشكّل قطاع غزة نحو 1.33% من مساحة فلسطين الإجمالية، وتُعدّ "مدينة غزة" أكبر مدنه. وتحدّ إسرائيل قطاع غزة من الشمال والشرق، بينما تحدّه مصر من الجنوب.
قضاء غزة
يقطن قطاع غزة ما يزيد قليلاً عن مليوني فلسطيني، وتُعد الكثافة السكانية فيه مرتفعة للغاية، حيث تتشابه مع الكثافة السكانية في هونغ كونغ. يبلغ معدل النمو السكاني السنوي في القطاع نحو 1.99% (وفقاً لتقديرات عام 2023)، مما يضعه في المرتبة 39 عالمياً من حيث أعلى معدلات النمو السكاني. وينحدر غالبية السكان (نحو 70%) من سلالة اللاجئين الذين فروا أو هُجّروا قسراً من مناطق فلسطين التي احتلتها القوات الصهيونية عام 1948. ويضم قطاع غزة ثمانية مخيمات للاجئين، ويشكل المسلمون السنة أغلبية السكان، إلى جانب أقلية من المجتمع المسيحي.
وكان قطاع غزة والضفة الغربية يشكلان معاً الإقليم الجغرافي الذي سعت السلطة الوطنية الفلسطينية لإقامة دولة مستقلة عليه، وذلك بعد أكثر من ثلاثين عاماً من المفاوضات المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو، والتي دعت إلى حل الدولتين للصراع في فلسطين. وكانت المنطقتان تخضعان اسمياً لسيطرة السلطة الفلسطينية حتى عام 2007؛ ففي عام 2006 فازت حركة حماس في الانتخابات أمام حركة فتح (السلطة الفلسطينية)، واستمرت السلطة بعد ذلك في إدارة الضفة الغربية، في حين تولت حماس زمام الحكم في قطاع غزة.
الجغرافيا، والجيولوجيا، والمناخ
بحر غزة
يمتد قطاع غزة على طول 41 كيلومتراً، ويتراوح عرضه بين 6 إلى 12 كيلومتراً، وتبلغ مساحته الإجمالية 365 كيلومتراً مربعاً. ويصل طول حدوده مع فلسطين التاريخية إلى 51 كيلومتراً، في حين يمتد شريطه الحدودي مع مصر لمسافة 11 كيلومتراً بالقرب من مدينة رفح الفلسطينية. وتضم غزة مدناً رئيسية أخرى، منها: خان يونس التي تقع على بعد سبعة كيلومترات شمال رفح، ومدينة غزة التي تتوسط القطاع بموقعها الاستراتيجي، ودير البلح الواقعة على الساحل بين رفح ومدينة غزة، بالإضافة إلى بيت لاهيا وبيت حانون اللتين تقعان إلى الشمال والشمال الشرقي من مدينة غزة على التوالي. ويُعد شاطئ "الديرة" وجهة مفضلة لهواة ركوب الأمواج. وقبل تفكيكها عام 2005، كانت كتلة "غوش قطيف" الاستيطانية التابعة للاحتلال الإسرائيلي تقع على الكثبان الرملية المحاذية لمدينتي رفح وخان يونس، على طول الطرف الجنوبي الغربي للساحل الممتد لمسافة 40 كيلومتراً على البحر الأبيض المتوسط.
تهيمن على تضاريس قطاع غزة ثلاث تلال متوازية مع الساحل، تتكون من الحجر الجيري القديم الذي يعود لعصر البليستوسين (المترسب بفعل الرياح)، وتُعرف هذه التلال مجتمعة باسم "الكركار"، وتتداخل معها تربة أحفورية حمراء ناعمة وحبيبية تُعرف باسم "التربة الحمراء". وتفصل بين هذه التلال الثلاثة أودية مليئة بالترسبات الفيضية. وتتميز الأرض بأنها إما منبسطة أو متموجة، مع وجود كثبان رملية بالقرب من الساحل. وتُعد "تلة أبو عودة" أعلى نقطة في قطاع غزة، حيث ترتفع 105 أمتار فوق مستوى سطح البحر. ويُعتبر "وادي غزة" المجرى المائي الرئيسي في القطاع، وقد أُسست حوله "محمية وادي غزة الطبيعية" لحماية الأراضي الرطبة الساحلية الوحيدة في قطاع غزة.
يتميز قطاع غزة بمناخ شبه جاف وحار، حيث يكون الشتاء دافئاً والصيف حاراً وجافاً نسبياً. ورغم الجفاف، فإن معدلات الرطوبة تظل مرتفعة على مدار العام. ويتراوح متوسط هطول الأمطار السنوي بين 225 ملم في المناطق الجنوبية، و400 ملم في الشمال، وينصبُّ معظمها بين شهري نوفمبر وفبراير. وتواجه المنطقة تحديات بيئية عديدة، تشمل التصحر، وملوحة المياه العذبة، وأزمات معالجة مياه الصرف الصحي، والأمراض المنقولة بالمياه، وتجريف التربة، فضلاً عن تلوث موارد المياه الجوفية واستنزافها.
التاريخ المبكر لغزة
عُثر على أقدم المستوطنات الرئيسية في المنطقة في "تل السكن" و"تل العجول"، وهما مستوطنتان تعودان إلى العصر البرونزي وكانتا بمثابة مراكز إدارية للحكم المصري القديم. وكانت مدينة غزة قائمة بالفعل تحت حكم الكنعانيين، وفي عام 332 قبل الميلاد، استولى الإسكندر الأكبر على المدينة خلال حملته على مصر. وبعد وفاة الإسكندر، خضعت غزة ومصر لإدارة السلالة البطلمية، قبل أن تنتقل إلى حكم السلالة السلوقية حوالي عام 200 قبل الميلاد.
دُمّرت مدينة غزة على يد الملك الحشموني والكاهن اليهودي الأكبر "ألكسندر جانيوس" عام 96 قبل الميلاد، ولكن أُعِيد تأسيسها تحت الإدارة الرومانية خلال القرن الأول الميلادي. وشهدت المنطقة الجغرافية التي تشكل قطاع غزة حالياً انتقال الإدارة بين مقاطعات رومانية مختلفة بمرور الوقت، بدءاً من مقاطعة يهودا، مروراً بمقاطعة سوريا فلسطين، وصولاً إلى مقاطعة فلسطين الأولى. وخلال القرن السابع الميلادي، تأرجح حكم المنطقة بين الإمبراطوريتين الرومانية الشرقية (البيزنطية) والفارسية (الساسانية)، قبل أن يستقر الحكم بتأسيس الخلافة الراشدة خلال الفتوحات الإسلامية الكبرى في القرن السابع.
الانتداب البريطاني، 1918 – 1948
إثر تفكك الإمبراطورية العثمانية نتيجة للحرب العالمية الأولى، خضع قطاع غزة للاحتلال البريطاني من عام 1918 إلى 1948. واستند صك الانتداب البريطاني على فلسطين إلى المبادئ الواردة في المادة 22 من مسودة ميثاق عصبة الأمم، وقرار مؤتمر سان ريمو الصادر في 25 أبريل 1920، والذي صاغته القوى الحليفة والرئيسية بعد الحرب العالمية الأولى. وقد أضفى الانتداب الصبغة الرسمية على الحكم البريطاني في الجزء الجنوبي من سوريا العثمانية من عام 1923 إلى 1948 (وتشمل هذه المنطقة في يومنا هذا دول: فلسطين، والأردن، ولبنان، وسوريا).
حكومة عموم فلسطين، 1948 – 1959
عندما أعلنت الحكومة البريطانية عن نيتها إنهاء انتدابها على فلسطين عام 1948، خضع قطاع غزة لسيطرة الحكومة المصرية. ونتيجة لحرب فلسطين 1948 - 1949، أُجبر 25% من الفلسطينيين على اللجوء والفرار من المناطق الرئيسية في فلسطين التاريخية إلى قطاع غزة، على الرغم من أنه لا يشكل سوى 1% فقط من إجمالي مساحة أرض فلسطين. ومع اقتراب العمليات العسكرية من نهايتها، أُسست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لإدارة برامج اللجوء المختلفة.
وفي 22 سبتمبر 1948، ومع تراجع حدة الأعمال العدائية، أُعلن عن قيام "حكومة عموم فلسطين" في مدينة غزة؛ وكانت تخضع للرقابة المصرية وتحت رعاية جامعة الدول العربية. وجاءت هذه الخطوة جزئياً كأحد مساعي جامعة الدول العربية للحد من نفوذ إمارة شرق الأردن (الأردن الآن) في فلسطين. وسرعان ما حظيت حكومة عموم فلسطين باعتراف ستة أعضاء من أصل سبعة في جامعة الدول العربية، وهي: مصر، وسوريا، ولبنان، والعراق، والمملكة العربية السعودية، واليمن، في حين امتنعت شرق الأردن عن الاعتراف بها، كما لم تعترف بها أي دولة أخرى خارج نطاق الجامعة العربية.
وبعد وقف الأعمال العدائية، حددت اتفاقية الهدنة بين إسرائيل ومصر، الموقعة في 24 فبراير 1949، خط الترسيم بين القوات المصرية والإسرائيلية، وهو الخط الذي بات يُعرف لاحقاً بالحدود الفاصلة بين قطاع غزة وإسرائيل.
وقد نصت المادة الخامسة من هذه الاتفاقية على ألا يُعتبر خط الترسيم حداً دولياً دائماً؛ حيث إن ما يُعتمد كحدود دولية بين مصر وقطاع غزة هو نفسه الخط الذي رُسِم في الأصل عام 1906 بين الإمبراطوريتين العثمانية والبريطانية.
مجازر عام 1956:
خلال أزمة السويس (العدوان الثلاثي) عام 1956، اجتاحت إسرائيل قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية. وقاومت مدينة خان يونس هذا الاجتياح، فردت إسرائيل بحملة قصف مكثفة خلّفت خسائر فادحة في صفوف المدنيين. وفي 3 نوفمبر، سقطت المدينة وشرع الجيش الإسرائيلي في تنفيذ مجزرة مروعة راح ضحيتها مئات الفلسطينيين، وكان معظمهم من المدنيين؛ وفي إحدى الحوادث البشعة، صُفَّ الرجال أمام الجدران في الساحة المركزية وجرى إعدامهم بالرشاشات. وفي 12 نوفمبر، أي بعد أيام من إعلان انتهاء الأعمال العدائية، قتلت القوات الإسرائيلية 111 شخصاً في مخيم رفح للاجئين، مما أثار موجة من الانتقادات الدولية.
الإدارة المصرية، 1959-1967
بعد حل حكومة عموم فلسطين عام 1959، وتحت غطاء القومية العربية، واصلت مصر إدارة قطاع غزة حتى عام 1967. ولم يتم ضَم غزة رسمياً إلى مصر أبداً، بل عُوملت كمنطقة خاضعة للإشراف وجرى إدارتها عبر حاكم عسكري. وكان أكثر من 200,000 لاجئ قد فروا إلى غزة أو هُجّروا قسراً من ديارهم خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، مما أدى إلى تراجع كبير في مستوى المعيشة. ونتيجة للقيود التي فرضتها الحكومة المصرية على الحركة من غزة وإليها، واجه جميع السكان تحديات جسيمة في قدرتهم على السفر والبحث عن فرص عمل مجزية في الخارج.
تشي جيفارا في غزة مع القادة المصريين والفلسطينيين
الاحتلال الإسرائيلي، من عام 1967 حتى الوقت الحاضر
خلال حرب يونيو عام 1967، بسطت إسرائيل سيطرتها على قطاع غزة، وأنشأت فيه أول كتلة استيطانية لها وهي "غوش قطيف"، في الزاوية الجنوبية الغربية بالقرب من رفح والحدود المصرية. وكان الموقع نفسه يضم في السابق مستوطنة زراعية صغيرة (كيبوتس) استمرت لمدة 18 شهراً بين عامي 1946 و1948. وفي المجمل، أنشأت إسرائيل 21 مستوطنة في غزة بين عامي 1967 و2005، لتصادر بذلك 20% من المساحة الإجمالية لأراضي القطاع.
ووفقاً للمؤرخ "توم سيغف"، فإن إمكانية ترحيل السكان الفلسطينيين إلى خارج قطاع غزة كانت محور تركيز دائم في الفكر الصهيوني يمتد إلى حقب سابقة. وخلال اجتماع للمجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية في ديسمبر 1967، جرى نقاش حول كيفية التعامل مع السكان العرب في المناطق المحتلة حديثاً؛ حيث اقترح رئيس الوزراء آنذاك "ليفي أشكول" أن إحدى الطرق لتشجيع الفلسطينيين على مغادرة غزة قد تكمن في تقييد وصولهم إلى المياه، ونُقل عنه قوله: "ربما إذا لم نمنحهم ما يكفي من الماء، فلن يكون أمامهم خيار آخر". وعقب هذا الاجتماع، نُفِّذت مجموعة من الإجراءات، شملت حوافز مالية، لحث الغزيين واللاجئين على الهجرة خارج قطاع غزة.
معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، 1979:
في 26 مارس 1979، وقّعت إسرائيل ومصر معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. ونص أحد بنودها على أن تسحب إسرائيل قواتها المسلحة والمدنيين من شبة جزيرة سيناء، التي كانت قد احتلتها خلال حرب يونيو 1967. وأُنشئت منطقة عازلة بعرض 100 متر بين غزة ومصر عُرِفت باسم "محور صلاح الدين" (محور فيلادلفيا)، ويبلغ طول هذه الحدود الدولية على طول المحور نحو سبعة أميال.
ووافقت مصر على جعل شبه جزيرة سيناء منطقة منزوعة السلاح، وتنازلت عن أي مطالبات إقليمية بالأراضي الواقعة شمال الحدود المتفق عليها. ولم تتطرق المعاهدة إلى الوضع النهائي لقطاع غزة أو العلاقات الأخرى بين إسرائيل والفلسطينيين؛ وبناءً على ذلك، ظل قطاع غزة خاضعاً للإدارة العسكرية الإسرائيلية، وأصبح الجيش الإسرائيلي مسؤولاً عن إدارة المرافق والخدمات المدنية.
وكجزء من اتفاقيات أوسلو الموقعة عام 1993، منحت إسرائيل حكماً ذاتياً محدوداً للسلطة الفلسطينية في غزة. ومنذ عام 2007، أصبحت حركة حماس هي الحاكمة الفعلية لقطاع غزة. وكانت إسرائيل قد سحبت قواتها العسكرية من جانب واحد وفككت مستوطناتها في القطاع عام 2005؛ ورغم ذلك، ونظراً لاستمرار الجيش الإسرائيلي في السيطرة على حدود غزة وأجوائها وموانئها البحرية، فإن الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والعديد من منظمات حقوق الإنسان لا تزال تعتبر القطاع خاضعاً للاحتلال، رغم خطة "الانفصال" الإسرائيلية. ونتيجة للحصار الذي فرضته إسرائيل بعد انتخابات عام 2007، استمر قطاع غزة في المعاناة من نقص حاد في المياه والكهرباء والأدوية، وحثت الأمم المتحدة، إلى جانب ما لا يقل عن 19 منظمة حقوقية، إسرائيل على رفع حصارها عن غزة. وتحتفظ إسرائيل بحق دخول غزة عسكرياً في أي وقت تشاء، كما تبقي على منطقة عازلة مقيدة الحركة بينها وبين غزة داخل أراضي القطاع نفسه. علاوة على ذلك، تعتمد غزة على إسرائيل في الحصول على كل احتياجاتها تقريباً من المياه، والكهرباء، والاتصالات السلكية واللاسلكية، وغيرها من المرافق العامة.
منطقة بيت حانون في غزة في أغسطس 2014، بعد القصف الإسرائيلي




تعليقات