الغابسية
- nakba memory museum
- قبل 7 أيام
- 3 دقيقة قراءة
كانت قرية الغابسية قائمة على تل صخري يرتفع من سهل عكا. وقد تموضعَت عند قاعدة مرتفعات الجليل الغربي، إلى الجنوب مباشرة من الطريق الرئيسي الذي يربط ترشيحا بمستوطنة نهاريا وبمدينة عكا. وتشير كثرة الكهوف في المنطقة، والتي استُخدمت كمواقع دفن، إلى أن الموقع كان مأهولًا على الأرجح منذ العصر الكنعاني.
بحلول أواخر القرن التاسع عشر، كانت الغابسية قرية مبنية بالحجر تقع على قمة تل، ويقدَّر عدد سكانها آنذاك بنحو 150 نسمة. وقد أحاطت بها بساتين الزيتون والتين والرمان وغيرها من الأشجار المثمرة.
كانت القرى الثلاث—الغابسية، والشيخ داوود، والشيخ دنّون—متقاربة جدًا جغرافيًا، بل إن الشيخ داوود والشيخ دنّون كانا متداخلين في بعض المناطق، بينما كانت الغابسية تقع على بعد نحو 500 متر منهما. وكان جميع السكان من المسلمين. وقد احتوت الغابسية على مدرسة أنشأتها السلطات العثمانية عام 1886. وشُيّدت بيوت القرية من الخرسانة المسلحة أو من الحجر المربوط بالطين أو الإسمنت. واعتمد اقتصادها على الزراعة وتربية المواشي، وكانت الحبوب والخضروات المحاصيل الأساسية، إضافة إلى الزيتون الذي كان يُعصر في معصرتين بدائيتين تعملان بقوة الحيوانات—واحدة في الغابسية وأخرى في الشيخ داوود.
في عامي 1944–1945، خُصص نحو 6,633 دونمًا من أراضي القرى الثلاث لزراعة الحبوب، و1,171 دونمًا للبساتين المروية. كما خُصص في الغابسية وحدها 100 دونم لأشجار الزيتون.
الاحتلال والتهجير
سقطت الغابسية خلال المراحل الأخيرة من عملية بن عامي، وهي الهجوم العسكري الذي شنّته قوات الهاغاناه في شمال غرب فلسطين. بدأت العملية في 13–14 مايو 1948 وكانت آخر هجوم كبير قبل نهاية الانتداب البريطاني، وهدفها السيطرة على القرى الساحلية الممتدة من عكا شمالًا حتى الحدود اللبنانية.
وبحسب المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، فقد جاءت عملية بن عامي متوافقة مع خطة دالِت، التي هدفت إلى السيطرة على مناطق مخصصة للاستيطان اليهودي، حتى خارج حدود قرار التقسيم لعام 1947. وقد صدرت أوامر إلى لواء كرملي الذي نفّذ العملية في 19 مايو 1948، تضمنت: “الهجوم بهدف الاحتلال، وقتل الرجال، وتدمير وحرق قرى كابري وأم الفرج والنهر”. ويضيف موريس أن كابري سقطت في الليلة التالية (20–21 مايو)، خلال المرحلة الثانية من العملية، كما سقطت قرية النهر وعدد من القرى الأخرى شمال عكا.
هاجمت وحدات لواء كرملي قرية الغابسية، وهي آخر القرى التي سقطت ضمن عملية بن عامي، في 20–21 مايو 1948. ووفقًا لموريس، استسلمت القرية رسميًا، وتم لاحقًا طرد بعض سكانها خلال الأيام والأسابيع التالية.
وتشير روايات الشهادات التي جمعها الباحث الفلسطيني نازف نزال من أهالي القرية إلى أن الهجوم جاء من جهتين: الشمال والجنوب الشرقي. حيث احتلت القوات الإسرائيلية منزلًا في الطرف الجنوبي من القرية وبدأت بإطلاق النار من داخله، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى أثناء فرار السكان. وكان جزء من الأهالي قد نزح بالفعل بعد سقوط عكا. أما المدافعون المحليون، وعددهم نحو عشرين رجلًا، فقد قرروا عدم المواجهة لقلتهم وضعف تسليحهم.
بقي معظم المهجّرين في قرى الجليل الأخرى حتى سقوط المنطقة بالكامل في أكتوبر 1948، ثم جرى طردهم إلى لبنان. لكن بحسب مصادر إسرائيلية نقلها موريس، فإن بعض السكان بقوا في الغابسية حتى فبراير 1949، حين نُفذت موجة طرد ثانية على يد الحكم العسكري الإسرائيلي تحت ذريعة “الأمن والنظام”. ولا يُعرف مصير هؤلاء بعد ذلك.
وبعد تهجير سكان الغابسية والشيخ داوود والشيخ دنّون، سمحت السلطات الإسرائيلية بعودة بعض سكان القريتين الأخيرتين ممن لم يهاجروا إلى لبنان، وانضم إليهم عدد من عائلات الغابسية وقرى أخرى. إلا أن الغابسية لم تُعد بناؤها مطلقًا.
القرية اليوم
لم يتبقَّ من القرية سوى المسجد، وهو مبنى حجري ذو قبة وأبواب ونوافذ مقوسة وزخارف داخلية. ويبدو المسجد مهجورًا، وقد بدأت قبة الخرسانة بالتآكل. تغطي النباتات البرية الموقع، كما تظهر بقايا البيوت المدمرة والمدرجات الزراعية ومقبرة القرية وسط غابة من أشجار السرو التي زُرعت فوق الموقع وأجزاء من أراضيه، إضافة إلى نبات الصبار. كما تُستخدم الأراضي غير المشجرة المجاورة للزراعة من قبل مستوطنة بيت هعيمك.
المستوطنات على أراضي القرية
في عام 1950، أسس مهاجرون يهود من العراق مستوطنة تسيڤعون هاشيفعا على أراضي القرية، على بعد نحو 1.25 كيلومتر غرب الموقع الأصلي للقرية.




تعليقات