بربرة
- nakba memory museum
- 23 يونيو
- 4 دقيقة قراءة
كانت القرية تقع عند الحافة الشمالية للهضاب الرملية الساحلية التي تمتد بموازاة البحر الأبيض المتوسط. ويقع مركز القرية فوق منطقة مستوية نسبياً من الأرض، إلا أن بعض منازلها كانت ترتفع فوق أراضٍ متعرجة قريبة من الهضاب. وكان زحف الرمال يشكل مشكلة حقيقية حتى أربعينيات القرن الماضي، عندما نجح السكان في تثبيت الكثبان الرملية عن طريق بناء المنازل وزراعة الأشجار في الأماكن المناسبة.

وكانت تقع مباشرة إلى الغرب من الطريق الساحلي السريع وخط السكة الحديدية، مما ربطها بالمراكز الحضرية شمالاً وجنوباً، كما ربطتها طرق فرعية بالقرى المجاورة. ويُرجح أن قرية بالاسم نفسه كانت قائمة في الموقع ذاته إبان الحكم الروماني لفلسطين. ويذكر الجغرافي العربي مجير الدين الحنبلي (توفي عام 1522) أن القرية كانت مسقط رأس الشيخ يوسف البربراوي، وهو عالم محلي وتلميذ العالم الشهير أحمد بن داود الذي توفي عام 1323. وفي عام 1596، كانت بربرة قرية تابعة للواء غزة، وبلغ عدد سكانها 402 نسمة.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، كان مخطط القرية مستطيلاً، وتحيط بها عدة حدائق وبركتان للمياه. أما الرمال الزاحفة من الشاطئ فكان يتم صدها بواسطة سياج من نبات الصبار المزروع في الحدائق. وكانت تمتد إلى الشرق منها بساتين من أشجار الزيتون، وفصلت أزقة رملية بين منازل بربرة المبنية من اللبن. وكان سكان القرية من المسلمين، يتوسط قريتهم مسجد قديم بُني في عهد السلطان العثماني مراد الثالث، ويضم ضريح الشيخ يوسف البربراوي المذكور أعلاه. وإلى جانب المسجد، ضمت القرية عدة متاجر في مركزها، ومدرسة ابتدائية أُسِّست عام 1921، وضمت 252 طالباً عام 1947.

كانت الأراضي الزراعية تحيط بالقرية، واشتهرت بإنتاج العنب الذي كان يُعد من بين الأجود في فلسطين، ويُباع في العديد من المدن والقرى الساحلية. وبالإضافة إلى ذلك، زرع السكان اللوز، والتين، والزيتون، والحمضيات، والجوافة، والبطيخ، الشمام، والحبوب؛ حيث تركزت أشجار الفاكهة في القسم الغربي من القرية، بينما تركزت زراعة الحبوب في قسمها الشرقي. وخُصِّص ما مجموعه 132 دونماً للحمضيات والموز، و9,613 دونماً للحبوب، و2,952 دونماً رُويت أو استُخدمت كبساتين. وكانت معظم الزراعة بعلية تعتمد على مياه الأمطار، إلا أن السكان حفروا بعض الآبار على عمق يتراوح بين 35-40 متراً لري أشجار الحمضيات والخضروات. كما اشتهرت بربرة بصناعة البسط الطويلة (المزاود) التي كانت تنسجها النساء.
التهجير والتطهير العرقي شهدت بربرة مناوشات منذ الأسابيع الأولى للحرب؛ ففي النصف الأول من كانون الثاني/يناير 1948، فتح ركاب حافلة يهودية كانت تمر عبر القرية النار على السكان دون وقوع إصابات. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "فلسطين"، فقد أُطلِقت النار على القرية في تمام الساعة السابعة من صباح يوم 12 كانون الثاني/يناير، مما أدى إلى تحطم زجاج المدرسة (التي كانت خالية آنذاك).
وقع هجوم آخر في نيسان/أبريل 1948، ورد ذكره في أحد تقارير القائد السوداني للقوات العربية غير النظامية في منطقة غزة، طارق الأفريقي؛ فبينما كان سكان القرية يعملون في حقولهم في 10 نيسان/أبريل، تعرضوا لإطلاق نار من قِبل سكان مستعمرة يهودية مجاورة، مما أسفر عن إصابة أحد المزارعين. ورد المدافعون عن القرية بالمثل، ودارت معركة استمرت ساعتين. ولم تذكر التقارير وقوع أي إصابات بين سكان القرية، الذين أفادوا بأنهم شاهدوا أفراد القوات اليهودية ينقلون قتلاهم وجرحاهم أثناء انسحابهم.

وخلال الهدنة الثانية في الحرب، صادقت الحكومة الإسرائيلية على خطة تهدف إلى ربط القوات الإسرائيلية في النقب بالقوات المتمركزة إلى الشمال منها في المنطقة الواقعة جنوب الرملة. وسُمِّيت هذه العملية في البداية بـ "عملية الضربات العشر"، لكنها عُرِفت لاحقاً باسم "عملية يواف". وسقطت بربرة خلال هذه العملية (انظر أيضاً: دمرة، وإسدود، وحمامة في لواء غزة، وبيت جبرين في لواء الخليل).
ولبدء "عملية يواف"، حشد الجيش الإسرائيلي ألوية "جفعاتي" و"النقب" و"يفتاح" في المنطقة الداخلية التي كانت قد سقطت في يده شرق الساحل، والشريط الساحلي الممتد حتى إسدود شمالاً. وفور انتهاء الهدنة الثانية في 15 تشرين الأول/أكتوبر، استغلت القوات الإسرائيلية تعرض قافلة إمدادات إسرائيلية لإطلاق نار من قِبل القوات المصرية، لشن قصف مدفعي عنيف وغارات جوية مكثفة. وكتب المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس أنه من أجل "تمهيد" القرى قبل احتلالها، استخدم الجيش الإسرائيلي المدفعية على نطاق أوسع بكثير من أي هجوم سابق، بالإضافة إلى الغارات الجوية بالقاذفات والمقاتلات القاذفة.

وفي 15 تشرين الأول/أكتوبر، أفادت وكالة "يونايتد برس إنترناشيونال" (UPI) بأن الطائرات قصفت بربرة بالرشاشات والقنابل في اليوم نفسه، إلى جانب غزة والمجدل. ومع نهاية العملية، تمكنت القوات الإسرائيلية من هزيمة القوات المصرية على الجبهة الجنوبية واحتلت معظم قرى لواء غزة. وفي ذلك الوقت، نجح النشاط العسكري الإسرائيلي في "إدخال اليأس إلى نفوس السكان"، وفقاً لما صرح به ضابط استخبارات إسرائيلي آنذاك؛ إذ ترك القصف المدفعي والجوي أثراً عميقاً في نفوس الأهالي في منطقة لم تكن مهيأة نفسياً ولم تكن تضم أي ملاجئ ضد الغارات الجوية.
وسقطت بربرة في نهاية هذه العملية في 4-5 تشرين الثاني/نوفمبر 1948، بُعيد سقوط المجدل. أما السكان، فقد طُرِدوا منها أو فروا تحت وطأة نيران الحرب.
القرية اليوم كل ما تبقى من القرية هو الجدران المتداعية وركام المنازل التي تغطيها الأشواك والعليق. كما تنمو في الموقع أشجار الكينا والجميز الكبيرة ونبات الصبار، ولا تزال بعض أزقتها القديمة واضحة للعيان. وتُستخدم مساحة من موقعها حالياً مكباً للنفايات والسيارات المحطمة، في حين يزرع مزارعون إسرائيليون الذرة في الأراضي المجاورة.

المستعمرات الإسرائيلية على أراضي القرية أُقِّمت مستعمرتان فوق أراضي القرية؛ حيث أُسِّست مستعمرة "مفيكيعيم" في 12 كانون الثاني/يناير 1949 مباشرة إلى الجنوب من القرية لمنع سكانها من العودة. أما مستعمرة "تلمي يافا" التي أُسِّست عام 1950، فتقع إلى الجنوب الشرقي من موقع القرية. وفي العام نفسه، أُقِّمت مستعمرة "جيعا" إلى الشمال الشرقي من الموقع، وهي قريبة من أراضي بربرة ولكنها تقع فوق أراضيها وأراضي قرية الجيّة المجاورة.
المرجع: وليد الخالدي، كي لا ننسى، ص 531-534.




تعليقات