top of page
logo.webp

بئر السبع

جنود أتراك في الحديقة بالقرب من المسجد الكبير في بئر السبع، عام 1917 - أرشيفات بافاريا.
جنود أتراك في الحديقة بالقرب من المسجد الكبير في بئر السبع، عام 1917 - أرشيفات بافاريا.

بئر السبع: التاريخ والجغرافيا والأهمية

تُعد بئر السبع من أقدم المدن وأكبرها في فلسطين التاريخية. كانت أول مدينة فلسطينية تقع تحت السيطرة البريطانية في عام 1917، وقد خضعت لفترة طويلة لحكم الإمبراطورية العثمانية. ونظراً لموقعها الاستراتيجي، لعبت بئر السبع دوراً محورياً في الحروب المختلفة التي اجتاحت المنطقة، ولا سيما الحروب العربية الإسرائيلية.

الموقع الجغرافي

يقع قضاء بئر السبع في الجزء الجنوبي من فلسطين التاريخية، على بعد حوالي 71 كيلومتراً جنوب غرب القدس المحتلة. يحده من الغرب قطاع غزة، ومن الشرق الأردن والطرف الجنوبي للبحر الميت ووادي عربة. وإلى الشمال تقع محافظة الخليل، وإلى الجنوب خليج العقبة وشبه جزيرة سيناء.

كان القضاء قسماً إدارياً خلال فترة الانتداب البريطاني (1920-1948)، وكان مركزه مدينة بئر السبع. ويضم اليوم 23 قرية؛ ثلاث منها مهجرة حالياً (الخالصة، الترابين، وعسلوج)، و19 قرية أُزيلت تماماً، مثل جباريات، والهناجرة، والعمارة، والعراقيب، وغيرها.

السكان

وفقاً لتعداد عام 2005، بلغ عدد سكان مدينة بئر السبع حوالي 185 ألف نسمة، الغالبية العظمى منهم من اليهود، وذلك في أعقاب طرد معظم سكانها العرب خلال نكبة عام 1948.

ويقدر بعض الباحثين والمراقبين أن عدد السكان الحالي يبلغ حوالي 200 ألف نسمة، بما في ذلك جزء من السكان الأصليين الذين أُجبروا على قبول الجنسية الإسرائيلية وسُلبت منهم معظم أراضيهم وممتلكاتهم.

كان سكان بئر السبع الأصليون ينتمون في الغالب إلى القبائل البدوية، وقد نُزح الكثير منهم إلى مخيمات اللاجئين في أريحا ثم إلى الأردن، بينما بقي آخرون في قطاع غزة.

لا تزال الأزياء البدوية التقليدية حاضرة في الذاكرة: حيث كان الرجال يرتدون زياً مميزاً يتكون من ثوب أبيض وحزام وغطاء رأس (شماغ)، وغالباً ما يكون مصحوباً بـ "الشبية" (نوع من الخناجر). أما النساء فكن يصنعن ويرتدين أثواباً مطرزة بإتقان باستخدام مجموعة متنوعة من الأقمشة والألوان الزاهية. كما كن يصنعن البراقع والعباءات وأغطية الرأس. ومن الجدير بالذكر أن ألوان وأنماط التطريز كانت تختلف بناءً على الحالة الاجتماعية والعمر؛ فلكل من النساء المتزوجات، وغير المتزوجات، والمسنات، أنماط وتصاميم مميزة.

قبل النكبة والتهجير الجماعي عام 1948، كان سكان بئر السبع يتألفون من قبائل بدوية متنوعة، منها الترابين، والعزازمة، والجباريات، والجراوين، والهناجرة، والسعديين، وجميعهم يُعتقد أنهم ينحدرون من أصول كنعانية وفينيقية.

الاقتصاد

بمساحة تبلغ 84 كيلومتراً مربعاً، كانت بئر السبع مركزاً تجارياً واتصالياً حيوياً، يربط تجار القدس والخليل وغزة والمجدل بالقبائل البدوية المحيطة.

كانت الزراعة هي النشاط الاقتصادي الرئيسي للسكان البدو الذين استقروا حول المدينة. كما كان رعي الماشية مهماً أيضاً. ومن أهم محاصيل المنطقة: الشعير، والقمح، والذرة، والعدس، والفول.

بالإضافة إلى الزراعة، عملت بئر السبع تاريخياً كمركز للقوافل التجارية عبر فترات زمنية مختلفة. وأصبحت سوقاً رئيسية تبادل فيها البدو والتجار الحبوب والماشية.

ومن معالم المدينة سوقها التاريخي المعروف باسم "سوق البدو"، والذي يعود تاريخه إلى العصر العثماني. كما تضم المدينة محطة سكة حديد بناها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لربط أجزاء مختلفة من الإمبراطورية.

قائم مقام بئر السبع عارف العارف إلى جانب شيوخ القبائل في قضاء بئر السبع، عام 1933.
قائم مقام بئر السبع عارف العارف إلى جانب شيوخ القبائل في قضاء بئر السبع، عام 1933.

الصناعة

يمكن تقسيم التاريخ الصناعي لبئر السبع إلى مرحلتين:

  • فترة ما قبل الاحتلال (قبل عام 1948): خلال هذه الفترة، كانت الصناعة بسيطة وتقليدية نسبياً. وشملت الأنشطة طحن الحبوب، ودباغة الجلود، والحدادة، ونسيج المنسوجات، باستخدام أدوات ومواد متواضعة ومتوفرة محلياً.

  • فترة ما بعد الاحتلال (بعد عام 1948): تحت السيطرة الإسرائيلية، أصبحت بئر السبع موطناً للعديد من المراكز الصناعية التي تخصصت في مواد البناء، والصناعات المعدنية، ومعدات السباكة، والمنتجات الكيميائية.

تظل بئر السبع رمزاً ذا أهمية تاريخية وثقافية عميقة للفلسطينيين، حيث تمثل التراث الغني للمجتمعات البدوية والخسائر الفادحة التي تكبدوها خلال النكبة.

التاريخ

عملت بئر السبع كنقطة تواصل خلال عصر الهكسوس، عندما وحدوا مصر وبلاد الشام في القرن السابع قبل الميلاد. وبعد هزيمة الهكسوس وطردهم من مصر، دُمرت عدة بلدات في منطقة بئر السبع.

ومثلها مثل بقية مناطق فلسطين، شهدت بئر السبع موجات متتالية من الغزوات من قبل الآشوريين والبابليين والفرس واليونانيين والرومان.

ووفقاً للدكتور غسان وشاح، رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية في غزة، فإن بئر السبع مدينة فلسطينية أصيلة بناها الكنعانيون الأصليون منذ آلاف السنين، كما ورد ذكرها في التوراة.

هناك روايات تاريخية مختلفة حول أصل اسم المدينة. تعزو الأسطورة الأكثر شهرة الاسم إلى قصة "النعاج السبع". ووفقاً للتقاليد، أهدى النبي إبراهيم (عليه السلام) هذه النعاج لملك فلسطين كشهادة على أنه حفر بئراً في المنطقة. ومنذ ذلك الوقت، عُرف الموقع باسم "بئر السبع".

وتشير رواية ثانية إلى أن الاسم مشتق من بئر كانت ترتادها وحوش مفترسة (حيث تعني كلمة "سبع" أيضاً الأسد أو الوحش). أما التفسير الثالث فيربط الاسم بوجود سبع آبار في المنطقة، التي كانت قاحلة وخالية من المياه.

مبنى الحكومة (السرايا) في بئر السبع، عام 1917 - مكتبة الكونغرس.
مبنى الحكومة (السرايا) في بئر السبع، عام 1917 - مكتبة الكونغرس.

تأثر ازدهار بئر السبع بشكل كبير بموقعها على طرق التجارة القديمة؛ إذ كانت هذه الطرق تنقل بضائع متنوعة من الهند وشرق أفريقيا، وتمر عبر محطة بئر السبع التجارية في طريقها إلى مصر أو ساحل البحر الأبيض المتوسط في غزة.

بعد الفتح الإسلامي، عُرفت بئر السبع بمدينة عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، الذي بنى فيها قصراً. ومع ذلك، تراجع تطور المدينة بمرور الوقت بسبب ندرة الأمطار وتحول طرق المواصلات.

دخل العثمانيون المدينة عام 1519، رغم أنهم لم يفرضوا حكماً مباشراً في البداية. ولكن في أعقاب حرب أهلية بين القبائل المحلية، أعاد العثمانيون النظر في استراتيجيتهم وقرروا فرض سيطرة مباشرة على المنطقة، ويرجع ذلك إلى حد كبير لموقعها الاستراتيجي بالقرب من الحدود المصرية. وفي فترات مختلفة، كانت المنطقة تابعة إدارياً إما لغزة أو للقدس.

في عام 1900، أعاد العثمانيون بناء المدينة وجعلوها مركزاً لقضاء حمل اسمها، وأسسوا مجلساً بلدياً وداراً للحكومة وثكنات عسكرية، ووضعوا مخططاً عمرانياً رسمياً للمدينة. ولعبت بئر السبع لاحقاً دوراً مهماً خلال الحرب العالمية الأولى، حيث كانت قاعدة عسكرية رئيسية للجيوش العثمانية.

بين عامي 1900 و1905، بنى العثمانيون مسجداً كبيراً في بئر السبع، حولته إسرائيل لاحقاً إلى متحف.

في عام 1917، احتلت القوات البريطانية بئر السبع، لتصبح أول مدينة فلسطينية تقع تحت السيطرة البريطانية. وبفضل موقعها الاستراتيجي، كانت بمثابة البوابة الجنوبية لفلسطين والبوابة الشرقية لمصر، مما جعلها نقطة ارتكاز خلال الحروب العربية الإسرائيلية المختلفة.

يشير الباحث الفلسطيني خالد عوض إلى أن "البريطانيين احتلوا بئر السبع وصحراء فلسطين في 31 أكتوبر 1917. وفي اليوم نفسه، أرسل الجنرال إدموند ألنبي برقية إلى لندن قال فيها: 'لقد سقطت بئر السبع. وستكون القدس هديتكم في عيد الميلاد'".

ويذكر عوض في كتاب يوثق مئوية وعد بلفور أن البرقية وصلت إلى لندن في اليوم التالي، الأول من نوفمبر 1917. رداً على ذلك، أخرج وزير الخارجية آرثر جيمس بلفور وثيقة من درج مكتبه، وتماشياً مع اتفاق تم التوصل إليه قبل أشهر مع قادة صهاينة، أصدر "وعد بلفور" سيئ السمعة في اليوم التالي.

خلال الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، دافع السكان البدو عن بئر السبع ضد القوات الإسرائيلية، ولكن بسبب التفاوت الهائل في القدرات العسكرية، سقطت المدينة في نهاية المطاف في أيدي المحتلين في 21 أكتوبر 1948.

المعالم

تتمتع بئر السبع بإرث حضاري غني شكلته إمبراطوريات متتالية وأحداث تاريخية. ومن أبرز المعالم التي لا تزال قائمة:

  • أطلال المدينة القديمة.

  • المسجد الكبير، الذي بناه العثمانيون، وحُوّل إلى متحف في أوائل الخمسينيات.

  • السرايا، مقر الحاكم العثماني.

  • محطة القطار التاريخية.

في عام 2005، أعلنت منظمة اليونسكو أطلال بئر السبع القديمة موقعاً للتراث العالمي، وذلك في أعقاب عمليات تنقيب أثرية شمال شرق المدينة الحديثة.

المصدر: موقع "فلسطين في الذاكرة"

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


bottom of page