عكا

تأسست عكا في البداية على يد قبيلة عربية كنعانية أو فينيقية عُرفت بـ "الجرجشيون" على تل الفخار، الذي يقع على بعد كيلومترين شرق المدينة. وبالنسبة للكنعانيين، عُرفت عكا باسم "أكّو" (بمعنى الرمال الساخنة)، وهو اسم مشتق من الكلمة العربية "أكّ"، والتي تعني الاحتكاك الشديد.
في عام 1945، غطى قضاء عكا مساحة 799.67 كيلومتراً مربعاً، خُصص منها 2.79 كيلومتر مربع للمنفعة العامة مثل الطرق، والوديان، وخطوط السكك الحديدية. ولم يمتلك الصهاينة سوى 25 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 3.1% من إجمالي مساحة القضاء. خلال الفترة العثمانية، كان القضاء يتألف من أكثر من 60 قرية، أما خلال فترة الانتداب البريطاني، فقد تقلص العدد إلى 48 قرية (من بينها 26 قرية تم تطهيرها عرقياً بالكامل وطمس معالمها من قبل الصهاينة بعد حرب 1948)، وثماني تجمعات بدوية، وتسع مستعمرات صهيونية. وتجدر الإشارة إلى أن قرى إقرت، وتربيخا، والمنصورة هي قرى لبنانية أصبحت جزءاً من فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى.
تقع عكا عند الطرف الشمالي لخليج عكا، وهو أحد أهم الخلجان على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط الشرقي. وبوقوعها بين رأس الناقورة شمالاً وجبل الكرمل جنوباً، اختير موقعها استراتيجياً لتوفير الحماية الطبيعية. كما وفرت التضاريس المحيطة -بدءاً من سفوح جبال الجليل وحتى مستنقعات نهر النعامين- حواجز طبيعية، مما سهل الدفاع عنها في بداياتها وأعاق تقدم الغزاة القدامى.
يمكن وصف جغرافيا عكا بأنها "سهلة الوصول مخادعة"؛ فبينما قد تبدو سهلة الوصول عبر البحر الأبيض المتوسط أو السهل الساحلي الفلسطيني، إلا أن تضاريس المدينة الاستراتيجية تثبت أنها تشكل تحدياً هائلاً لأي معتدٍ. لقد صاغت هذه الخصائص أهمية عكا الاستراتيجية، تاريخياً وفي العصور الحديثة. إن انفتاحها على الطرق البرية والبحرية جعلها موقعاً مرغوباً للغاية للإمبراطوريات الساعية للسيطرة على شرق المتوسط، مما جعل موقعها "نعمة ونقمة" في آن واحد؛ نعمة لدورها كمركز ثقافي وتجاري، ونقمة بسبب الطموحات الأجنبية المتكررة التي جذبتها.
ترتبط المدينة جيداً بظهيرها عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية المهمة؛ إذ يربطها طريق ساحلي شمالاً بلبنان عبر رأس الناقورة (على بعد 17 كم)، وجنوباً بالمدن الساحلية الفلسطينية وصولاً إلى مصر. كما ترتبط عكا بالجليل، وسهل مرج ابن عامر، وغور الأردن. وهناك خط سكة حديد يربطها بحيفا ويستمر جنوباً إلى خط القنطرة، بينما تمتد طرق معبدة من عكا عبر سهل مرج ابن عامر إلى مرتفعات نابلس والقدس والخليل. ورغم الأهمية التاريخية لمينائها، إلا أن قرب ميناء حيفا الأكبر قلل نوعاً ما من مكانة عكا البحرية.
جغرافياً، تقع عكا على شبه جزيرة صغيرة عند الطرف الشمالي للخليج، تحيط بها المياه من جهتي الغرب والجنوب، وتتصل باليابسة من جهتي الشمال والشرق. وبُنيت المدينة على تضاريس مرتفعة -تتراوح بين اللطيفة والوعرة- ووضعت عمداً فوق الوادي المنخفض لتجنب فيضانات البحر أثناء العواصف. ويقع الميناء على الحافة الجنوبية لشبه الجزيرة، محمياً من الرياح الشمالية ولكنه معرض للرياح الجنوبية الغربية القوية، خاصة في فصل الشتاء. وتطوق عكا أسوار محصنة، مع بوابات تفتح على كل من البر والبحر.

الجغرافيا والبيئة:
تضم المناظر الطبيعية المحيطة بعكا العديد من المستنقعات، أبرزها مستنقع "الشاحوطة" الذي كان يمتد يوماً ما على مساحة 3 كيلومترات مربعة شرقي المدينة، والذي تشكل نتيجة الفيضانات الموسمية لنهر النعامين خلال فصل الشتاء. ومن الأراضي الرطبة المهمة الأخرى مستنقع "عين البقر"، الذي تغذيه عين تحمل الاسم نفسه، بالإضافة إلى "بركة الحمام" ومستنقع الحمام المجاور. وإلى الجنوب من عكا تقع كثبان رملية بيضاء واسعة تُزرع فيها أشجار النخيل. وتنتشر عبر السهول شرقي المدينة تلال عدة، مثل تل الفخار، وتل كيسان، وتل كردانة، وتل العياضية. يصب نهر النعامين في خليج عكا جنوبي المدينة، وتقع عين البقر على ضفته الشمالية. تحصل عكا على إمداداتها من المياه العذبة عبر قناة مائية تغذيها "عين الكابري" الواقعة إلى الشمال الشرقي. تشكل السهول المحيطة ظهيراً زراعياً خصيباً، يدعم محاصيل متنوعة ويعزز أهمية المدينة كمركز بحري واقتصادي. وبالمقارنة مع سهل صور في لبنان، فإن سهل عكا أقل ارتفاعاً وأضيق، وتحيط به تلال تمتد من رأس الناقورة شمالاً إلى جبل الكرمل جنوباً، وهي تلال خدمت تاريخياً كمواقع عسكرية أثناء الحصارات أو لأغراض الدفاع.
المناخ:
تتمتع عكا بمناخ متوسطي: صيف حار وجاف، وشتاء معتدل وممطر. وبسبب موقعها الساحلي، يظل المناخ معتدلاً بشكل عام، حيث تتراوح درجات الحرارة من 9-15 درجة مئوية في يناير إلى 22-31 درجة مئوية في أغسطس. يبلغ متوسط الرطوبة 67% سنوياً، وتكون أعلى في فصل الشتاء. ويبلغ متوسط هطول الأمطار السنوي 600 ملم، يسقط معظمه خلال حوالي 50 يوماً، ويتركز في الأجزاء الجنوبية الغربية من المدينة التي تواجه الرياح الجنوبية الغربية السائدة المحملة بالأمطار.
لمحة تاريخية:
يعود أصل عكا إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وقد أسستها قبيلة "الجرجشيين"، وهي قبيلة عربية كنعانية. وقد أطلقوا عليها اسم "عكّو"، أي "الرمال الساخنة". وبحسب المؤرخ الروماني "بليني الأكبر" (توفي 113 م)، يُنسب لهؤلاء المستوطنين الأوائل اختراع الزجاج. وتحكي الأسطورة عن بحارة كانوا يطهون الطعام على الشواطئ الرملية باستخدام كتل من نترات البوتاسيوم (النطرون) كدعم، فصهروها بالصدفة مع الرمل، مما أدى إلى إنتاج الزجاج. كانت شواطئ عكا أيضاً غنية بمحار "الموركس"، وهو مصدر للصبغة الأرجوانية الثمينة (الأرجوان الصوري). غزا عكا لأول مرة الفرعون المصري تحتمس الثالث عام 1479 ق.م، ولاحقاً سيتي الأول عام 1324 ق.م. وفشل العبرانيون، بمن فيهم في عهد الملك داود (1000-970 ق.م)، في السيطرة عليها، مما سمح لها بالاحتفاظ بهويتها الكنعانية. وفي القرن الثامن قبل الميلاد، سقطت المدينة بيد الملك الآشوري شلمنصر الخامس، الذي استخدم أسطولها لأغراض عسكرية. وفي القرن السادس قبل الميلاد، أصبحت عكا جزءاً من الإمبراطورية الفارسية خلال فتوحاتها لبلاد الشام. وظلت تحت الحكم الفارسي حتى حملات الإسكندر الأكبر في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، حيث خضعت للسيطرة المقدونية. وتحت حكم البطالمة، أعيدت تسمية عكا إلى "بتولمايس" تكريماً لبطليموس الثاني فيلادلفوس (285-247 ق.م)، وأصبحت معقلاً هيلينياً رئيسياً. وفي وقت لاحق، خضعت لحكم السلوقيين، خلفاء الإسكندر في آسيا. وفي عام 69 ق.م، استولى عليها ديكرانوس العظيم، ملك أرمينيا، أثناء غزوه لسوريا. جلبت الفترة الهيلينتية (تحت الحكم السلوقي) تأثيراً يونانياً عميقاً إلى عكا، التي أصبحت مدينة يونانية بالكامل، غنية بالفن اليوناني والعمارة والتصميم الحضري. هذا المزيج الثقافي بين العناصر اليونانية والسامية أدى إلى ظهور حضارة هيلينتية فريدة، وهو إرث استمر حتى العصر الروماني.

العصر الروماني:
في عام 64 ق.م، وخلال غزو روما لسوريا، استولى القائد بومبي على عكا. وقد زارها يوليوس قيصر عام 47 ق.م وضُمَّت إلى المقاطعة الرومانية في سوريا. خلال هذه الفترة، ازدهرت عكا اقتصادياً، واشتهرت بصناعة الحرير وإنتاج صبغة الأرجوان. انتعشت التجارة، خاصة بعد أن شق الإمبراطور نيرون (54-68 م) الطريق الساحلي من أنطاكية إلى رفح، مما جعل عكا مركزاً رئيسياً لتجارة الأسماك. وفي القرن الأول الميلادي، أصبحت أيضاً مركزاً لأسقفية مسيحية، وزارها القديس بولس.
العصران البيزنطي والإسلامي المبكر:
مع انقسام الإمبراطورية الرومانية عام 395 م، أصبحت عكا جزءاً من الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية)، وبقيت كذلك حتى القرن السابع، عندما وصلت الفتوحات العربية الإسلامية إلى المنطقة. وفي عام 636 م (16 هـ)، فتح شرحبيل بن حسنة المدينة. لاحقاً، أدرك معاوية بن أبي سفيان، والي الشام، الحاجة إلى قوة بحرية لحماية المناطق الساحلية، فاستخدم أحواض بناء السفن البيزنطية المجهزة جيداً في عكا، وأطلق منها أولى الحملات البحرية العربية إلى قبرص (649 م) ورودس (654 م). وهكذا، أصبحت عكا أول قاعدة بحرية عربية في البحر المتوسط. وفي ظل الأمويين، ازدهرت عكا في إنتاج زيت الزيتون وقصب السكر، وحافظت على ازدهارها خلال فترات الحكم العربي اللاحقة.
العصران الطولوني والفاطمي:
في عام 877 م (264 هـ)، سيطر أحمد بن طولون على سوريا وقام بتحصين عكا؛ حيث أنشأ قاعدة بحرية وبرجاً مزدوج الجدران. كما أمر ببناء ميناء وظيفي باستخدام جذوع الجميز والحجارة، بمساعدة أبي بكر البناء، جد الجغرافي الشهير المقدسي. جعل هذا عكا واحدة من أكثر الموانئ تحصيناً على الساحل السوري. في منتصف القرن العاشر، سقطت المدينة بيد الإخشيديين، ثم الفاطميين عام 969 م، وبقيت تحت سيطرتهم (باستثناء توغلات سلجوقية قصيرة) حتى نهاية القرن الحادي عشر.
الغزو الصليبي والمملكة اللاتينية في القدس:
خلال الحملة الصليبية الأولى، سعى الصليبيون للسيطرة على الموانئ الفلسطينية الرئيسية، فكانت عكا تحت الحكم الفاطمي هدفاً لهم. في عام 1102 م، أسرت السفن الفاطمية حجاجاً مسيحيين وباعتهم كعبيد، مما دفع الملك بلدوين الأول ملك القدس إلى حصار المدينة عام 1103. بعد فشله بسبب تحصينات عكا القوية والتعزيزات الفاطمية، تحالف بلدوين مع أساطيل جنوة وبيزا. وفي عام 1104 م، أجبر هجوم بحري وبري مشترك عكا على الاستسلام بعد 20 يوماً من المقاومة الشرسة. أصبحت عكا الميناء الرئيسي للمملكة اللاتينية في القدس ومركزاً رئيسياً للتجارة مع دمشق والعالم الغربي. بقيت المدينة في أيدي الصليبيين حتى استعادها صلاح الدين الأيوبي عام 1187 م. أدرك الصليبيون القيمة الاستراتيجية لعكا، فحاصروها مرة أخرى من 1189 إلى 1191، واستعادوا السيطرة عليها. احتفظوا بالمدينة لمدة قرن، حتى عام 1291 م، عندما هزمهم السلطان المملوكي الأشرف خليل وطرد آخر الصليبيين، مما جعل عكا آخر معقل للصليبيين في المشرق.
بعد الفتح المملوكي (1291 م):
بعد أن استعاد الأشرف خليل عكا، دمر تحصيناتها عمداً لمنع أي عودة صليبية مستقبلية. التهمت النيران أسواقها، وتراجعت المدينة. لاحظ الرحالة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بمن فيهم ابن بطوطة والقلقشندي وأبو الفداء، حالتها الضعيفة. وأشار لودولف فون سوتشيم إلى أن 60 جندياً فقط كانوا يحرسون المدينة. وبحلول القرن الخامس عشر، لاحظ بروكويير أن عكا قد تقلصت إلى 300 منزل فقط، كظل لمجدها السابق.

الحكم العثماني وصعود عكا
بدأت عكا في استعادة أهميتها التجارية تدريجياً خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بعد ضم بلاد الشام إلى الدولة العثمانية. منح السلطان سليمان القانوني الملك الفرنسي فرانسيس الأول حق إنشاء مركز تجاري فرنسي في المدينة. كما تقدمت عكا في أوائل القرن السابع عشر تحت حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي بنى فيها قصراً ومسجداً ومركزاً للجمارك، ورمم البرج الرئيسي، مما ساهم في النمو العمراني والازدهار التجاري، وبدأت عكا في تصدير القطن واستقبال السفن.
الذروة في عهد ظاهر العمر
شهدت عكا نهضتها الحقيقية بقيادة الشيخ ظاهر العمر الزيداني، الذي اتخذها عاصمة له بعد السيطرة عليها عام 1750م (1163هـ). أعاد بناء تحصيناتها وأبراجها وأسوارها الدفاعية، وأنشأ بنية تحتية تجارية هامة مثل "السوق الأبيض" وخان الشونة. عمل ظاهر على تعزيز الزراعة والتجارة والصناعة في المنطقة، محولاً عكا إلى مركز تصدير رئيسي للقطن والحرير والقمح وغيرها من منتجات شمال فلسطين.
أحمد باشا الجزار والحصار النابليوني
خلف ظاهر العمر أحمد باشا الجزار، وفي عهده واجهت عكا أحد أهم أحداث العصر: هزيمة نابليون بونابرت. حاصر نابليون عكا براً وبحراً من 21 مارس إلى 20 مايو 1799م، متخذاً من تل مجاور (يُعرف اليوم بتل نابليون) قاعدة له. صمدت المدينة بفضل تحصينات الجزار والمساعدة الحاسمة من الأسطول البريطاني بقيادة السير سيدني سميث، الذي استولى على السفن الفرنسية ونقل مدفعيتها الثقيلة لتعزيز دفاعات عكا. اضطر نابليون للانسحاب، مما أدى إلى انهيار طموحاته الشرقية. قام الجزار بتحصين المدينة بأسوار مزدوجة، وطور مشهدها الحضري ببناء مسجد رائع، وسوق مغطى، وحمامات عامة، وخان العمدان الشهير. كما جلب المياه العذبة من قرية الكابري عبر القنوات. في عام 1780م (1195هـ)، عينه الباب العالي والياً على دمشق ولبنان بالإضافة إلى عكا، مما جعله فعلياً نائب السلطان في المنطقة. وصفه الرحالة الشهير فولني، الذي زار المدينة بين 1783 و1785م، بأنها "أعظم مدينة على الساحل".
ما بعد نابليون والغزو المصري
بلغت عكا ذروة مجدها بعد صد حصار نابليون. وبعد وفاة الجزار، تولى سليمان باشا العادل الحكم، فأصلح الأضرار، ورمم مسجدي المجادلة والبحر، واستأنف إمدادات المياه من الكابري، وأنشأ حديقة باسم ابنته "فاطمة" عام 1816م.
الاحتلال المصري والأفول
خضعت عكا لاحقاً لحكم عبد الله باشا الخزندار، وفي عهده حاصر إبراهيم باشا (ابن محمد علي باشا) عكا لمدة ستة أشهر، وسيطر عليها عام 1832م (1247هـ) حتى عام 1840م. كما تعرضت المدينة لزلزال مدمر عام 1837م تسبب في أضرار جسيمة ومقتل 141 شخصاً. بعد انسحاب المصريين، عادت عكا عاصمة لولاية صيدا، لكن أهميتها تضاءلت بعد ضمها لولاية سوريا عام 1864م، ثم ولاية بيروت عام 1888م، مما همش دورها التجاري. تفاقم هذا التراجع مع افتتاح سكة حديد بيروت-دمشق (1895م) وسكة حديد درعا-حيفا (1904م)، مما أدى إلى هجرة السكان وتراجع تجارة القوافل. عشية الحرب العالمية الأولى، كانت عكا مرتبطة بحيفا بالسكة الحديدية.
أوائل القرن العشرين: النمو السكاني والعمراني
شهدت عكا نمواً متواضعاً في أوائل القرن العشرين؛ فارتفع عدد سكانها من 8,146 نسمة عام 1904 إلى 9,279 عام 1908. بحلول عام 1908، ضمت المدينة حوالي 166 دونماً، و415 متجراً، و6 مساجد، و5 كنائس، و5 خانات، و22 سبيل مياه، وحمامين عامين، ومستشفى، وفندقاً، و13 مقهى. كان تصميم عكا مستطيلاً، حيث تركزت المباني داخل الأسوار، مما دفع السكان لبناء منازل متعددة الطوابق. بعد إعلان الدستور العثماني عام 1908، سُمح للسكان بالبناء خارج الأسوار، فظهرت ضاحية جميلة عُرفت بـ "عكا الجديدة".
فترة الانتداب البريطاني وتراجع السكان
خلال الانتداب البريطاني واضطرابات الحرب العالمية الأولى، انخفض عدد سكان عكا إلى حوالي 6,420 نسمة عام 1922، حيث نزح الكثيرون إلى حيفا أو هاجروا. تحسنت الظروف تدريجياً، وبحلول عام 1931، ارتفع عدد السكان إلى 7,897 نسمة، وزاد عدد المنازل إلى 1,653 منزلاً، بالإضافة إلى الضواحي المحيطة (عين الست، البساتين، الرمل، الطواحين، ومركز الحجر الصحي للحيوانات) التي ضمت 268 ساكناً.

التطور الديموغرافي والعمراني لعكا في القرن العشرين
بحلول عام 1938، نما عدد سكان عكا إلى حوالي 8,800 نسمة، بالإضافة إلى 307 أشخاص يسكنون في الضواحي الخارجية. بلغت مساحة المنطقة الحضرية للمدينة حوالي 1,474 دونماً. وبحلول عام 1945، ارتفع عدد السكان إلى 12,360 نسمة، وتوسعت المدينة قليلاً لتصل إلى 1,538 دونماً، منها 52 دونماً مخصصة للطرق والوديان والسكك الحديدية، و6 دونمات تحت الملكية اليهودية. خلال هذه الفترة، لعبت بلدية عكا دوراً حيوياً في تحديث المدينة، حيث وسعت شبكات الطرق وأنشأت أول حديقة بلدية في عكا، وهو ما كان يُعد خطوة مبتكرة في التخطيط العمراني في فلسطين آنذاك.
أثر حرب 1948
كان لحرب عام 1948 أثر دراماتيكي على عكا؛ فقد سقطت المدينة في يد القوات الصهيونية، وانخفض عدد سكانها بشكل حاد إلى حوالي 4,000 نسمة بنهاية عام 1948، بينهم 874 يهودياً. كان هذا التحول الديموغرافي نتيجة للتهجير واسع النطاق لسكانها العرب واستيطان المهاجرين اليهود مكانهم. بعد الحرب، بدأت المدينة في النمو مجدداً نتيجة استمرار الهجرة الصهيونية؛ فبحلول عام 1965، وصل عدد سكان عكا إلى 31,700 نسمة، منهم 4,000 فقط من العرب. استمر هذا الاتجاه في العقود التالية؛ ففي عام 1973، بلغ عدد سكان عكا 35,500 نسمة، بينهم 4,500 عربي. وفي عام 1982، ارتفع الإجمالي إلى 36,400، وبحلول عام 2001، وصل إلى 45,900 نسمة. امتد التوسع العمراني شرقاً وشمالاً وجنوباً، ووصلت الحدود البلدية للمدينة إلى تل نابليون شرقاً، وقرية السميرية السابقة شمالاً، وأطراف منطقة حيفا الكبرى جنوباً. اتسمت الأحياء الجديدة التي طورتها الإدارة الإسرائيلية بكتل سكنية موحدة مكونة من أربعة طوابق، مما يعكس نهجاً قياسياً في التخطيط العمراني.
الفوارق الاقتصادية والديموغرافية
نشأت فوارق اقتصادية ملحوظة في عكا بعد الاحتلال؛ إذ أصبحت جميع المؤسسات التجارية خارج أسوار المدينة القديمة مملوكة لليهود، بينما اقتصرت الملكية العربية في الغالب على الأعمال التجارية داخل المدينة القديمة. ومنذ الاحتلال، أجرت السلطات الإسرائيلية تغييرات جوهرية على المشهد المادي والثقافي لعكا في محاولة لطمس هويتها العربية وفرض طابع صهيوني عليها. تم هدم العديد من المباني التاريخية لإنشاء ساحات عامة، بما في ذلك مناطق قرب "قهوة الطاحونة"، وجنوبي "حمام الباشا"، وموقع "الكازينو" القديم. كما تم تطوير منطقة سياحية جديدة قرب الميناء، إلى جانب ممشى بحري جديد يمتد من مقهى البحر القديم وصولاً إلى المنارة.
أدوار عكا المتطورة عبر التاريخ
عبر تاريخها، أدت عكا أدواراً استراتيجية متعددة؛ ولعل الوظيفة العسكرية كانت الأبرز؛ حيث تشهد أسوارها المنيعة التي تحيط بالمدينة من البر والبحر، إلى جانب أبراجها وقلاعها، على أهميتها الدفاعية. جعل موقع عكا الاستراتيجي منها هدفاً للغزاة، مما أدى إلى دورات من التدمير وإعادة البناء والازدهار والأفول. لطالما أظهر سكانها الشجاعة في الدفاع عن وطنهم، مضحين بآلاف الأرواح، خاصة خلال الغزوات الصليبية، وحصار نابليون، واحتلال الميليشيات الصهيونية عام 1948.
الأهمية التجارية والاقتصادية
تاريخياً، لعبت عكا دوراً حيوياً في التجارة؛ حيث كان ميناؤها مركزاً لاستيراد البضائع الأجنبية وتصدير المنتجات الزراعية من شمال فلسطين والأردن وحوران في جنوب سوريا. وعملت كحلقة وصل رئيسية بين أوروبا وبلاد الشام ونقطة تجمع للحجاج المسيحيين في طريقهم إلى الأرض المقدسة. استفاد التجار الأوروبيون خلال العصر العثماني من امتيازات تجارية خاصة، واستخدموا "خان الإفرنج" و"خان الشواردة" كمستودعات. وفي عهد حكام مثل ظاهر العمر وأحمد باشا الجزار، بُنيت العديد من الخانات لاستيعاب التجار والمسافرين، وظلت مزدهرة حتى أواخر القرن التاسع عشر، ومن أبرزها "خان الجزار" و"خان الشونة". وبالقرب من مسجد الجزار، تشكل سوق شرقي مكون من صفين من المتاجر المقنطرة، يُعرف اليوم بالسوق الشرقي، حيث يبيع الباعة الفواكه والخضروات والمجوهرات والهدايا التذكارية للسياح.
الزراعة والارتباط الريفي
شرقي عكا، تمتد مساحة صغيرة من الأراضي الزراعية الخصبة التي لا تزال تحت الملكية العربية، وتنتج محاصيل متنوعة كالحبوب والخضروات والأشجار المثمرة، على رأسها الزيتون والحمضيات، تليها العنب والتين واللوز والمشمش والبرقوق والخوخ والتفاح والكمثرى والموز والنخيل. وشمال المدينة تقع "بستان البهجة". ومع ذلك، لا يلبي الإنتاج الزراعي المحلي احتياجات المدينة، لذا اعتمدت عكا طويلاً على الريف العربي المحيط لسد حاجاتها من المنتجات الزراعية والحيوانية.

دور عكا في صناعة صيد الأسماك والتطور الصناعي المبكر
عُرفت عكا منذ فترة طويلة كواحدة من أهم موانئ صيد الأسماك في فلسطين؛ حيث شهد إنتاج الأسماك ارتفاعاً دراماتيكياً من 44 طناً في عام 1925 إلى 18,000 طن في عام 1945. وبعد الاحتلال الصهيوني لعكا، تكثفت أنشطة الصيد إلى حد الاستغلال المفرط واستنزاف الموارد البحرية. إلى جانب الصيد، أُنشئت مزرعة تجريبية للثروة الحيوانية على بعد حوالي كيلومترين شمال المدينة، بهدف إجراء البحوث الزراعية والحيوانية.
الصناعات التقليدية المحدودة والتوسع في عهد الانتداب البريطاني
تاريخياً، كانت القاعدة الصناعية لعكا محدودة، حيث اعتمد اقتصادها تقليدياً على صبغة الأرجوان المستخرجة من الأصداف (إرث يعود للفترة الفينيقية)، وعباءات الصوف والمنسوجات الحريرية، والأبواب الحديدية، والقوارب الخشبية. ومع ذلك، خلال فترة الانتداب البريطاني، شهدت الصناعات العربية في عكا نمواً ملحوظاً، حيث بدأت المدينة في إنتاج مجموعة متنوعة من السلع، منها:
الكبريت.
الفخار والطوب.
زيت الزيتون.
الحلويات والسكاكر.
المنسوجات.
الأواني الزجاجية والسيراميك والمرايا.
الدهانات.
الأجهزة الكهربائية.
المشروبات الغازية.
الطحين والثلج.
الاحتلال الإسرائيلي وإعادة الهيكلة الصناعية
بعد الاحتلال، أنشأت السلطات الإسرائيلية منطقة صناعية شرقي المدينة ضمت العديد من المصانع الكبيرة، مثل:
مصنع إنتاج الصلب ("مدينة الصلب").
مصنع أنابيب الصلب.
مصنع لتعليب الفواكه والخضروات.
مصنع لتعليب السردين.
مصنع للبورسلين قرب مصب نهر النعامين.
مصنع للأجهزة الكهربائية والمواد الكيميائية. إلى جانب هذه المرافق الكبرى، احتضنت المدينة عشرات الورش الصغيرة، بما في ذلك أعمال النحاس والحرف المتعلقة بالسياحة، والتي لا يزال العديد منها يُدار من قبل حرفيين عرب.
الأهمية الإدارية والاستراتيجية لعكا عبر التاريخ
بحلول عام 400 م، كانت عكا مركزاً إدارياً لمنطقة تمتد من جبل الكرمل جنوباً إلى وادي القرن والزيب شمالاً. وخلال الحروب الصليبية، أصبحت عكا أهم معقل للفرنجة في المشرق، وحصلت على لقب "مملكة عكا". في القرن الثامن عشر، اكتسبت مكانة سياسية متجددة في عهد ظاهر العمر، الذي أعلنها عاصمة لدولته المستقلة. وفي وقت لاحق، استخدم أحمد باشا الجزار عكا كمركز لولايته العثمانية. بحلول عام 1888، صُنفت عكا رسمياً كأحد الأقضية التابعة لولاية بيروت. في ذلك الوقت، كان قضاء عكا يضم ثلاث نواحٍ و58 قرية. وفي عام 1906، ضُمت عشر من هذه القرى إلى قضاء الناصرة، مما قلص عدد القرى في قضاء عكا إلى 48 قرية. وخلال الحرب العالمية الأولى، توسع القضاء مرة أخرى ليشمل 60 قرية.

قضاء عكا في أواخر عهد الانتداب البريطاني
بحلول نهاية فترة الانتداب البريطاني عام 1945، كان قضاء عكا يضم:
مدينة عكا.
52 قرية.
8 مضارب عشائر بدوية.
9 مستعمرات صهيونية.
بلغت المساحة الإجمالية للقضاء حوالي 800 كيلومتر مربع، وكان عدد سكانه يناهز 68,330 نسمة. أما القرى العشر الأكثر اكتظاظاً بالسكان آنذاك فهي: ترشيحا، البصة، سخنين، الزيب، طمرة، عرابة، شعب، الرامة، بيت جن، والبروة. ظلت عكا العاصمة الإدارية للقضاء، حيث ضمت مختلف الدوائر الحكومية التي تدير الشؤون العامة في المدينة والمناطق المحيطة بها. وبعد سيطرة إسرائيل، احتفظت عكا بدورها الإداري، وإن كان ذلك ضمن إطار سياسي أعيدت هيكلته وتحديده.
التعليم في عكا: نمو وتحديات
خلال الحرب العالمية الأولى، كان في عكا خمس مدارس حكومية:
مدرسة متوسطة واحدة ضمت 70 طالباً.
مدرستان ابتدائيتان للبنين بمجموع 252 طالباً.
مدرستان ابتدائيتان للبنات ضمت 220 طالبة. بالإضافة إلى ذلك، كانت طائفة الروم الأرثوذكس تدير مدرسة ابتدائية للبنين وروضة أطفال، وكان في كل منهما حوالي 70 طالباً.
توسع التعليم بشكل كبير خلال فترة الانتداب البريطاني؛ ففي العام الدراسي 1942–1943، وُجدت:
ثلاث مدارس حكومية: اثنتان للبنين وواحدة للبنات.
660 طالباً يدرسون على يد 19 معلماً.
531 طالبة تدرسهن 15 معلمة. كما كانت هناك عشر مدارس خاصة، من بينها مدرسة الجزار الشهيرة، التي ضمت 1,067 طالباً وطالبة.
وبحلول نهاية الاحتلال البريطاني، كان في عكا:
مدرستان رسميتان للبنين: إحداهما ثانوية كاملة، والأخرى ابتدائية.
مدرستان للبنات: إحداهما ثانوية متوسطة، والأخرى ابتدائية. كانت المدارس الخاصة عديدة ويدير معظمها جمعيات خيرية، وقد ركزت جميع مدارس عكا على الكشافة والتربية البدنية، مما عكس نهجاً متوازناً لتطوير الطلاب.
الأثر الثقافي والقمع التعليمي
ساهمت هذه النهضة التعليمية في رفع الوعي الثقافي والمشاركة الفكرية لسكان عكا العرب بشكل ملحوظ، كما ساهمت في زيادة انفتاح سكان المدينة على الثقافات الأجنبية والأفكار العالمية. ومع ذلك، تحت الاحتلال الصهيوني، يعاني سكان عكا العرب، مثلهم مثل الكثيرين في الأراضي الفلسطينية المحتلة الأخرى، من تمييز تعليمي منهجي. وتظل إحدى أشد التحديات هي المناهج الدراسية التي فرضتها السلطات الإسرائيلية، والمصممة لطمس الهوية الفلسطينية وإعاقة الطلاب العرب عن الوصول إلى تعليم جيد أو مواصلة مسيرتهم الأكاديمية بحرية.




تعليقات