top of page
logo.webp

بيسان

1 يوليو
11 دقيقة قراءة

لعب الموقع الجغرافي لبيسان دوراً رئيسياً في تطورها المبكر؛ فقد نشأت المدينة على الحافة الغربية لغور الأردن وضمن سهل بيسان الخصيب، الذي يعد ممراً طبيعياً بين غور الأردن شرقاً وسهل مرج ابن عامر غرباً. وتشرف بيسان على وادي جالود وممرّه -وهو أحد البوابات الطبيعية الشرقية المؤدية إلى سهل مرج ابن عامر- كما تطل على الأجزاء الشمالية من غور الأردن.

وبفضل موقعها الاستراتيجي، ارتبطت بيسان تاريخياً بشبكة مواصلات حيوية، وأصبحت محطة توقف لـ

القوافل التجارية المسافرة بين بلاد الشام ومصر، وممراً للحملات العسكرية المتنقلة بينهما. وعلى مر القرون، كانت هدفاً متكرراً لغارات القبائل البدوية القادمة من الشرق. ومع ذلك، عملت المدينة كنقطة دفاع أمامية تحمي الأراضي الخصبة لسهل مرج ابن عامر والسهل الساحلي الفلسطيني. وبمرور الوقت، جذب موقع بيسان المميز التجار والغزاة للاستقرار فيها.

بعد أن تشكلت بيسان في بداياتها بفعل الطرق التي مرت بها، أصبحت لاحقاً مركزاً رئيسياً تجذب الطرق إليها، واندمجت مع المناطق المجاورة عبر شبكة حيوية وكثيفة من الطرق الرئيسية. فهناك طريق معبد على طول الحافة الغربية لغور الأردن يربط بيسان شمالاً بطبريا (على بعد 38 كم)، وجنوباً بالقدس عبر أريحا (مسافة 127 كم). ويمتد طريق رئيسي آخر عبر سهل مرج ابن عامر إلى العفولة (27 كم) ويستمر إلى حيفا (71 كم). وتتفرع طرق إضافية تؤدي إلى الناصرة شمالاً (41 كم) وإلى جنين جنوباً (23 كم)، وتمتد لتصل إلى نابلس (76 كم).

كما ترتبط بيسان شرقاً بالأردن وسوريا عبر طرق معبدة تعبر نهر الأردن عند جسر الشيخ حسين (7.5 كم)، وجسر دامية جنوباً (51 كم)، وجسر جسر (المجامع) شمالاً (17 كم). وتقع المدينة عند الكيلومتر 59 على خط سكة حديد حيفا–درعا، مما يربطها بالسكك الحديدية بسمخ على الشاطئ الجنوبي الشرقي لبحيرة طبريا (27 كم)، ومنها إلى درعا ودمشق.

غير أن دور بيسان كمركز للمواصلات تضاءل بشكل كبير بعد حرب عام 1948؛ فبعد أن كانت موقعاً مركزياً واستراتيجياً، أصبحت هامشية بشكل متزايد في أعقاب احتلالها من قبل القوات الصهيونية وتأسيس خطوط الهدنة لعام 1949 (انظر: اتفاقية الهدنة الدائمة بين الأردن وإسرائيل).

الجغرافيا والآثار

يضم موقع بيسان الحالي كلاً من الأطلال القديمة والمناطق الحديثة. وتشمل الأجزاء القديمة بقايا متناثرة عبر التلال المحيطة بالمدينة؛ فإلى الشمال يقع تل الحصن (-175م) وتل المصطبة (-150م)، وإلى الشمال الغربي تقع تلال تل الجسر (-120م)، وتل باصول (-110م)، وتل الزهرة (-95م). وتحتوي هذه المواقع على بقايا مبانٍ سكنية، ومقابر، وساحات عامة، ومسارح، وميادين، وأسوار دفاعية.


تقع المدينة الحديثة على تل صغير (على ارتفاع -150 متراً) ضمن سهل بيسان، إلى الجنوب من وادي جالود. ومن الجدير بالذكر أن كلاً من المواقع القديمة والحديثة لبيسان تقع على تلال مرتفعة ضمن سهل بيسان المنبسط؛ حيث كان لهذا الارتفاع هدف عملي يتمثل في تجنب مخاطر الفيضانات الموسمية.

يجمع موقع بيسان (بيت شان) الحالي بين المواقع القديمة والحديثة. وتتمثل المواقع القديمة في أطلال متناثرة عبر تلال عدة تحيط بالمدينة؛ فإلى الشمال من بيسان يقع تل الحصن (-175م) وتل المصطبة (-150م). وإلى الشمال الغربي، تحيط بالمدينة تلال تل الجسر (-120م)، وتل باصول (-110م)، وتل الزهرة (-95م). وتحتوي هذه الأطلال على بقايا مبانٍ سكنية، ومقابر، وساحات عامة، ومسارح، وميادين، وأسوار دفاعية.

أما موقع بيسان الحديث فيقع على هضبة صغيرة (بارتفاع 150 متراً فوق مستوى سطح البحر) تمتد داخل غور الأردن جنوب نهر جالود. ومن الملاحظ أن كلا الموقعين القديم والحديث للمدينة يقعان على أرض مرتفعة تعلو عما يحيط بها من سهول في غور بيسان. وقد اختير هذا الارتفاع استراتيجياً لتجنب مخاطر فيضانات نهر جالود والابتعاد عن المستنقعات، مع السماح في الوقت ذاته بالاستغلال الأمثل لأراضي السهل المنبسطة لأغراض الزراعة.

إن التحول في موقع المدينة من الشمال إلى الجنوب كان يهدف على الأرجح إلى حمايتها من أخطار الفيضانات والأمراض، مع الاستفادة من الأراضي الخصبة بالقرب من نهر جالود وقنواته المائية. أُعيد تأسيس بيسان في موقعها الحديث نسبياً في أوائل القرن التاسع عشر؛ حيث اقتصرت المباني في البداية على سطح هضبة بيسان، التي تعد إحدى المصاطب البحرية القديمة للجانب الأردني. ومع نمو المدينة وتقدم التطور العمراني، توسعت تدريجياً لتشمل الحواف الغربية المنخفضة للوادي وأجزاء من أرض السهل المنبسطة.

بشكل عام، تنحدر تضاريس بيسان من الغرب إلى الشرق. ويجري نهر جالود، وهو أحد روافد نهر الأردن، شمالي المدينة بين تل الحصن وتل المصطبة. كما يزود النهر العديد من أحواض الأسماك القريبة بالمياه قبل أن يمر جنوبي بيسان. وتحيط بالمدينة ينابيع طبيعية عديدة تساهم، إلى جانب مياه نهر جالود وفروعه، في ري الأراضي الزراعية المحيطة.


المناخ

يتشكل مناخ بيسان بفعل موقعها في غور الأردن، الذي يقع على ارتفاع يزيد عن 150 متراً تحت مستوى سطح البحر. كما تتأثر المدينة بالفتحة الطبيعية لسهل مرج ابن عامر المؤدية إلى البحر الأبيض المتوسط، مما يسمح للتأثيرات المناخية المتوسطية بالوصول إلى المنطقة. يبلغ متوسط درجة الحرارة السنوي في بيسان حوالي 21 درجة مئوية، بينما يبلغ متوسط الرطوبة حوالي 58%. وتساعد الرطوبة المنخفضة نسبياً في تلطيف حدة الحرارة، خاصة في فصل الصيف، حيث يمكن أن يصل متوسط درجات الحرارة العظمى إلى 29 درجة مئوية، بينما تنخفض الرطوبة النسبية إلى حوالي 50%. وفي فصل الشتاء، يبلغ متوسط درجة الحرارة الصغرى حوالي 14 درجة مئوية، لكنها قد تنخفض إلى درجة التجمد في يناير، مما يشكل خطراً على المحاصيل.

بلغ متوسط هطول الأمطار السنوي في بيسان بين عامي 1901 و1940 حوالي 305 ملم. وعلى الرغم من أن هذه الكمية تعد كافية بشكل عام لدعم الزراعة في منطقة بيسان، إلا أن هطول الأمطار يتسم بعدم الانتظام؛ فعلى سبيل المثال، في موسم 1927/1928، لم يتجاوز هطول الأمطار 149.5 ملم، بينما ارتفع بشكل حاد في موسم 1942/1943 ليصل إلى 514.4 ملم. وقد تسببت هذه التقلبات في قلق مستمر للمزارعين المحليين، إلا أن الاستخدام الواسع للري في مساحات زراعية واسعة يساعد في تخفيف آثار هذه التقلبات.

تتأثر بيسان أيضاً بالرياح القادمة من الغرب؛ إذ عندما تندفع هذه الرياح هابطة من المرتفعات نحو المدينة، فإنها تؤدي إلى انضغاط الهواء، مما يرفع درجات الحرارة ويثير العواصف الغبارية، خاصة في فترة ما بعد الظهر عندما تصل نسائم البحر المتوسط إلى غور الأردن. وفي فصل الربيع، تشهد المدينة أحياناً موجات حارة مصحوبة برياح مغبرة قادمة من الجنوب الشرقي، كما تحدث موجات باردة بين الحين والآخر نتيجة وصول الرياح الشمالية الباردة.


الأصل والنشأة

يعود تاريخ بيسان إلى عصور ما قبل التاريخ، أي لأكثر من ستة آلاف عام قبل الميلاد. وفي العصر الكنعاني، عُرفت المدينة باسم "بيت شان"، الذي قد يعني "بيت الإله شان" أو "بيت الراحة". وقد تبنى الإسرائيليون هذا الاسم لاحقاً من الكنعانيين. حظيت بيسان بأهمية تجارية وعسكرية وزراعية كبيرة نظراً لموقعها على الطريق الذي يربطها بشرق الأردن وحوران ودمشق، فضلاً عن موقعها في وادٍ خصب غني بالمياه حيث كانت تُزرع أشجار النخيل، والقطن، والحبوب، وغيرها من المحاصيل.

في حوالي عام 1479 ق.م، غزا المصريون "بيت شان" بقيادة تحتمس الثالث وسيطروا عليها لفترة طويلة حتى عهد رمسيس الثالث في عام 1198 ق.م. وعلى الرغم من المحاولات المتكررة، فشل الإسرائيليون في ضمها. وبحسب الروايات التاريخية، قام الفلسطينيون بصلب "شاؤول" وأبنائه على أسوارها بعد قتلهم في معركة جلبوع حوالي عام 1004 ق.م، وهو نزاع وقع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. أطلق اليونانيون على بيسان اسم "سكيثوبوليس" (Scythopolis)، نسبة إلى السكيثيين - وهم محاربون خيالة من الشمال - الذين احتلوها واستوطنوها حوالي عام 600 ق.م. وقد استخدم الفرس الأخمينيون هذه القبائل كقوات خيالة. أصبحت "سكيثوبوليس" واحدة من أبرز مدن "الديكابوليس" (المدن العشر)، وهي مجموعة من عشر مدن يونانية-رومانية كانت منتشرة في فلسطين.

خلال العصر الروماني، احتفظت بيسان بأهميتها كزعيمة لمدن الديكابوليس وكمركز تجاري رئيسي للقوافل المتجهة نحو الأردن. ولا تزال آثار هذه الفترة المزدهرة مرئية، بما في ذلك المسرح الروماني على تل الحصن وقناطر القناة الرومانية التي تمتد عبر وادي جالود. وفي ظل الحكم البيزنطي، بدءاً من عام 325 م تقريباً، أصبحت بيسان مركزاً للأسقفية، ولعب ممثلها دوراً بارزاً في مجمع نيقية. ولا يزال دير يتكون من ثلاث غرف من تلك الحقبة قائماً حتى اليوم.

كانت بيسان من بين أوائل المدن الهامة التي فتحها العرب؛ ففي أواخر عام 634 م (13 هـ)، حوصرت المدينة وسلّمت سلمياً للقائدين المسلمين عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة. وتشير بعض الروايات إلى أن شرحبيل وحده هو من فتحها بعد حصار دام عدة أيام؛ فعندما خرج بعض المدافعين للقتال، هزمهم شرحبيل، ففتحت أبواب المدينة لفرسان المسلمين. كان معاهدة الصلح لبيسان مميزة: فإلى جانب فرض الجزية على السكان وخراج الأرض، تقاسم المسلمون منازل المدينة مع السكان، حيث أقام الأهالي في نصف المدينة، بينما أقام المسلمون في النصف الآخر، حيث أُنشئ مسجد. وقد أُبرم ترتيب مماثل خلال فتح دمشق.

تحظى بيسان بمكانة تاريخية بارزة لدى المسلمين لكونها تضم ضريح الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح، قائد فتوحات الشام. كما يُرجح أن ضريح شرحبيل بن حسنة، الذي توفي بجانب أبي عبيدة خلال طاعون عمواس الشهير عام 639 م (18 هـ)، يقع فيها أيضاً.

وقد ذكر العديد من الجغرافيين العرب بيسان لأهميتها؛ إذ وصفها ابن خرداذبة في كتابه "المسالك والممالك" بأنها كورة من كور الأردن على الطريق من دمشق إلى الرملة، تقع بين طبريا واللجون. وأشار المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم" إلى أن: "بيسان على نهر، ولها نخيل كثير، وهي إحدى خزائن فلسطين والأردن، كثيرة المياه وواسعة، وإن كان ماؤها ثقيلاً". ووصفها العالم الأندلسي أبو عبيد البكري (توفي 1094 م) بأنها موضعان: أحدهما بالشام معروف بخمرها الجيد، والآخر بالحجاز. وسجل ياقوت الحموي في موسوعته أن بيسان مدينة في غور الأردن، تسمى أحياناً "لسان الأرض"، تقع بين حوران وفلسطين، وبها عين تسمى "عين الفلوس"، يقال إنها من الجنة، رغم أنها مالحة قليلاً.

وكتب الإدريسي (توفي 1165 م): "بيسان مدينة صغيرة جداً كثيرة النخيل، تعرف بإنتاج حصير 'السّفّان' الذي لا ينبت إلا بها دون غيرها من بلاد الشام". كما ذكر الهروي (توفي 1220 م) وجود مسجد منسوب للخليفة عمر بن الخطاب في بيسان، وأشار إلى وجود عين الفلوس التي تُعد واحدة من العيون الأربع الرئيسية في المنطقة.


نظراً لأهميتها، ورد ذكر بيسان كثيراً في كتابات الجغرافيين العرب. ففي كتابه "المسالك والممالك"، وصفها ابن خرداذبة بأنها "كورة من كور الأردن على الطريق من دمشق إلى الرملة، تقع بين طبريا واللجون". وقال عنها المقدسي في "أحسن التقاسيم": "بيسان على نهر، كثيرة النخل، وهي من خزائن فلسطين والأردن، كثيرة المياه وواسعة، إلا أن ماءها ثقيل". أما الفقيه والوزير الأندلسي أبو عبيد البكري (توفي 1094 م) فقد أشار إلى وجود موضعين باسم بيسان: "أحدهما بالشام معروف بخمرها الجيد، والآخر بالحجاز". وذكرها ياقوت الحموي في موسوعته قائلاً: "بيسان مدينة في الأردن في غور الشام، ويقال لها لسان الأرض، تقع بين حوران وفلسطين، وبها عين تسمى عين الفلوس، يقال إنها من الجنة، على أن ماءها فيه ملوحة".

ووصف الإدريسي (توفي 1165 م) بيسان بأنها "مدينة صغيرة جداً كثيرة النخيل، ينبت بها قصب 'السفّان' الذي لا ينبت في موضع من بلاد الشام غيره، ومنه يعمل الحصير الذي يعرف بالسفّانية". وذكر الهروي (توفي 1220 م) أن في بيسان مسجداً ينسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب، وبها عين الفلوس التي تُعد من عيون الأرض الأربع.

عندما تقدم الصليبيون في المشرق العربي، خضعت بيسان لسيطرتهم بعد استيلائهم على القدس، لكن العرب استردوها بعد معركة حطين عام 1187 م (583 هـ). ثم عاد الصليبيون لاحتلالها عام 1217 م (612 هـ).

ومن الأحداث البارزة المرتبطة ببيسان في العصر المملوكي ما تلا معركة عين جالوت؛ إذ طارد الجنود المماليك المنتصرون فلول المغول حتى واجهوهم مجدداً عند بيسان، حيث دارت معركة ضارية أسفرت عن خسائر فادحة في صفوف المغول وغنائم كبيرة للمماليك. كما شهدت بيسان معركة أخرى بين المماليك بقيادة جانبردي الغزالي والجيش العثماني بقيادة سنان باشا، انتهت بهزيمة المماليك وسيطرة العثمانيين على بيسان ومنطقتها.

في عام 1812 م، مر الرحالة بوركهارت ببيسان ووصفها قائلاً: "تقع بيسان على أرض مرتفعة في الجانب الغربي من غور الأردن، حيث تنخفض سلسلة الجبال المحاذية للغور بشكل كبير لتشكل مرتفعاً مكشوفاً تماماً. كانت المدينة القديمة تروى بنهر يسمى الآن 'ماء بيسان'، الذي يتفرع ويتدفق في السهل. تمتد أطلال بيسان بشكل واسع، وتقع البلدة على ضفاف المجرى وفي الوديان التي خلفتها فروعه العديدة. تتكون قرية بيسان الحالية من سبعين أو ثمانين منزلاً، ويعيش سكانها في بؤس شديد بسبب نهب عرب الغور لهم، رغم الإتاوات الثقيلة التي يدفعونها لهم".

ويبدو أن بيسان شهدت انتعاشاً وتوسعاً مرة أخرى في الربع الأول من القرن العشرين. فقد كتب مؤلف "ولاية بيروت" عن بيسان بين عامي 1914 و1918: "يُقدر عدد بيوت بيسان بـ 600 بيت، منها ما بين 20 إلى 25 بيتاً للمسيحيين، و15 بيتاً لليهود، والباقي للمسلمين".

التنقيبات الأثرية:

توجد العديد من المواقع الأثرية بالقرب من بيسان، منها تل الجسر، وخان الأحمر، وتل المصطبة، وتل الحصن -وهو موقع بيسان القديمة (انظر: الخرائب والمواقع الأثرية). تُعد التنقيبات في تل الحصن من بين الأقدم في فلسطين، وقد أجرتها جامعة بنسلفانيا بين عامي 1922 و1933 على مرحلتين: الأولى (1922–1926) بقيادة فيشر مع ألين رو، والثانية (1927–1933) تحت إشراف فيتزجيرالد. وقد ركز جزء كبير من التنقيبات الأولية على قمة التل، مما كشف عن معابد يعود تاريخها إلى العصر البرونزي الأوسط وحتى العصر البيزنطي.

في المستويات السبعة الأولى التي تم الكشف عنها خلال المرحلة الأولى، عثر علماء الآثار على أربعة معابد كنعانية تعود لعصور حكم أمنحتب الثالث، وسيتي الأول، ورمسيس الثاني، ورمسيس الثالث، بالإضافة إلى كنيسة بيزنطية. وبشكل عام، تم تحديد ثماني عشرة طبقة أثرية، احتوت على العديد من اللقى إلى جانب البقايا المعمارية.

ومن بين المكتشفات البارزة: ختم بابلي أسطواني منقوش بالكتابة المسمارية، وتمثال من الحجر الأبيض يمثل الإله "رشف"، وتمثال بازلتي يصور معركة بين أسد ولبؤة، ونموذج لمنزل من الطوب اللبن، وتوابيت فخارية، ومقابر من عصور مختلفة. وضمن أطلال الكنيسة، تم اكتشاف حُلي ذهبية مثل السلاسل والأطباق والأساور، بالإضافة إلى مبخرة برونزية وعشر عملات معدنية.

ومن خلال هذه الحفريات، يتضح أن بيسان كانت مأهولة بالسكان بشكل مستمر منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد وحتى العصر العربي.

بيسان الحديثة:

شهدت بيسان تطوراً كبيراً في أعقاب مد خط سكة حديد حيفا-درعا عام 1905، والذي مر شمالي المدينة مباشرة (انظر: السكك الحديدية). ونما عدد السكان بالتوازي مع التوسع العمراني، مدفوعاً باستقرار بعض البدو والتجار في المدينة، بالإضافة إلى الزيادة الطبيعية لسكانها الأصليين. وبحلول عام 1914، تجاوز عدد السكان 1,000 نسمة. كما شجعت السلطات العثمانية هذا النمو العمراني قبل الحرب العالمية الأولى، حيث ركزت على تنظيم سوق المدينة ومبانيها. وخلال هذه الفترة، ضمت بيسان حوالي 600 منزل. وقد تحرك توسع المدينة تدريجياً مبتعداً قليلاً عن نهر جالود وروافده، ليزحف أكثر نحو أراضي غور الأردن.

خلال فترة الانتداب البريطاني، ازدهرت بيسان بفضل موقعها الاستراتيجي ودورها الإداري كمركز لقضاء بيسان. ارتفع عدد السكان من 1,914 نسمة عام 1922 (من بينهم 41 يهودياً فقط) إلى 3,101 في عام 1931 (88 يهودياً)، ثم إلى 5,180 في عام 1945 (20 يهودياً فقط). تطورت المدينة معمارياً بفضل تأسيس مجلس بلدي قام برصف الشوارع، وزراعة أشجار الكينا، وتجفيف العديد من المستنقعات للحد من خطر الملاريا. ونمت الميزانية البلدية من 1,653 جنيهاً فلسطينياً في عام 1927 إلى 8,076 جنيهاً في عام 1944، كما ارتفع عدد تراخيص البناء الصادرة من 43 رخصة عام 1932 إلى 62 رخصة عام 1940، مما يعكس التركيز على التحسين العمراني.

كان في بيسان عيادة صحية خدمت حوالي 6,771 مريضاً في عام 1944، عانى 1,218 منهم من الملاريا و1,873 من أمراض العيون. وكانت المستنقعات المنتشرة، والمناخ الحار، والعواصف الغبارية المتكررة في فترة ما بعد الظهيرة هي العوامل الرئيسية التي ساهمت في انتشار الملاريا وأمراض العيون.

كما تقدم التعليم، حيث التحق بالمدارس الحكومية حوالي 366 طالباً و243 طالبة في العام الدراسي 1942/1943.

وفي 12 مايو 1948، وهو يوم مأساوي في تاريخ بيسان، استولت القوات اليهودية على المدينة وطردت سكانها العرب المسالمين من ديارهم. ظلت بيسان مهجورة لمدة عام كامل، قامت خلاله سلطات الاحتلال بهدم العديد من الهياكل التاريخية والأثرية في المدينة. وفي وقت لاحق، أُعيد بناء المدينة بمشهد حضري متغير، وسكنتها مئات العائلات اليهودية. ارتفع عدد السكان اليهود من 1,200 نسمة عام 1950 إلى 10,050 عام 1961، ثم 12,800 عام 1966، و13,500 عام 1968، ووصل إلى 16,100 بحلول عام 2001. ومنذ أوائل السبعينيات، هاجر العديد من السكان بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. واليوم، يتكون حوالي نصف سكان بيسان من يهود هاجروا من شمال أفريقيا -معظمهم من مصر والمغرب- وحوالي 30% من يهود الدول العربية والإسلامية مثل إيران والعراق وتركيا، أما بقية السكان اليهود فهم إما من أصول أوروبية أو ولدوا في فلسطين.

في عام 1963، أُطلقت مشاريع لجذب السياح إلى بيسان، بما في ذلك إنشاء متحف أثري، وإعادة بناء المدرج الروماني القديم، وإقامة مزارع للأسماك على الجانبين الغربي والشرقي للمدينة تغذيها مياه أحد فروع نهر جالود جنوبي بيسان. كما تضم المدينة محطة لتوليد الكهرباء، ومضخة مياه رئيسية، ومصانع للنسيج والمعادن والبلاستيك، وورشاً لصقل الألماس، ومصانع لإنتاج الآلات الكهربائية. بالإضافة إلى ذلك، يقع مطار صغير على بعد حوالي 3 كيلومترات شمالي بيسان.

وظائف بيسان:

كانت الوظيفة الأصلية لبيسان عسكرية، نشأت من موقعها في "تل الحصن" (التل القديم). ولاحقاً، أضيفت الوظائف التجارية والزراعية خلال العصور الرومانية والإسلامية. وفي ظل الانتداب البريطاني، جمعت بيسان بين الأدوار الإدارية والتعليمية والزراعية والتجارية والصناعية، وهي وظائف استمرت خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي.

الوظيفة الإدارية:

عملت بيسان كمركز لناحية تابعة لقضاء جنين خلال الحكم العثماني، ثم صُنفت كمركز قضاء ضمن لواء نابلس في أوائل فترة الانتداب البريطاني، قبل أن تُضم إلى لواء الجليل. وبحلول أواخر فترة الانتداب، كان قضاء بيسان يضم المدينة نفسها وثلاثين قرية ومضارب عشائر محيطة بها، ببلغ عدد سكانها حوالي 23,590 نسمة عام 1945، وكان الجميع يعتمدون على بيسان كمركز إداري لهم يضم مختلف المكاتب الحكومية.

الوظيفة التعليمية:

كان في بيسان مدرستان؛ واحدة للبنين وأخرى للبنات. وفي العام الدراسي 1945/1946، استحدثت مدرسة البنين أول صف ثانوي زراعي. وكان الطلاب يأتون من القرى المجاورة للالتحاق بهذه المدارس.

الوظيفة الزراعية:

  • كانت بيسان مدينة زراعية في المقام الأول، تقع في قلب سهل بيسان الخصيب الذي ينعم بوفرة المياه والتربة الغنية. وفي عام 1944، شملت المحاصيل الرئيسية في قضاء بيسان: القمح (2,214 طناً)، والشعير (2,394 طناً)، والعدس (185 طناً)، والفول (65 طناً)، والحمص (68 طناً)، والذرة (314 طناً)، والسمسم (278 طناً)، والزيتون (120 طناً)، والبطيخ (223 طناً)، والعنب (928 طناً)، والخضروات (7,532 طناً). كما غطت بساتين الحمضيات مساحة 1,617 دونماً حول بيسان، بينما بلغت مساحة مزارع الموز 48 دونماً في عام 1945.

    الوظيفة التجارية:

  • عزز الموقع الجغرافي لبيسان، عند ملتقى غور الأردن شرقاً والمناطق الجبلية غرباً، من ازدهار التجارة. فقد ساهم إنشاء محطة السكك الحديدية على الطرف الشمالي للمدينة ووجود طرق رئيسية معبدة تمر بمركز المدينة في دفع النشاط التجاري. ومن الجدير بالذكر أن الطريق الطولي الممتد على طول غور الأردن يتقاطع بشكل عمودي مع الطريق العرضي الذي يربط الغور بالسهل الساحلي في قلب بيسان، حيث يقع السوق الرئيسي. كان السوق يضج بالحركة التجارية، ويخدم القرى المجاورة ويسهل بيع منتجاتهم الزراعية والحيوانية. وقد ربطت شبكة مواصلات جيدة بيسان بالقرى المجاورة ومنطقة الجليل وسهل مرج ابن عامر وجنين، مما عزز التجارة بشكل أكبر وقدم فوائد اقتصادية كبيرة.

    الوظيفة الصناعية:

  • اقتصرت الصناعة في بيسان في البداية على الصناعات الخفيفة التقليدية، بما في ذلك منتجات الألبان، وطحن الحبوب، وعصر زيت الزيتون، ومعالجة التمور، وصناعة السلال، وتجهيز الشعير، وتمشيط الصوف، وتجفيف الفاكهة. وفي الآونة الأخيرة، توسعت الصناعات لتشمل المنسوجات، والبلاستيك، والأشغال المعدنية، وإنتاج الآلات الكهربائية.

    المصدر: كتاب "كي لا ننسى" وليد الخالدي. موقع "فلسطين في الذاكرة" (www.palestineremembered.com).

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


bottom of page