طولكرم
- nakba memory museum
- قبل يوم واحد
- 4 دقيقة قراءة

الجغرافيا والتاريخ والتطور الحديث
تقع مدينة طولكرم في الجزء الغربي الأوسط من فلسطين التاريخية، شمال الضفة الغربية، وتتميز بموقع جغرافي فريد عند المنطقة الانتقالية التي تلتقي فيها السهول الساحلية الخصبة غربًا بالمرتفعات الجبلية الممتدة شرقًا. ويمنحها هذا الموقع أهمية خاصة، إذ تقع بالقرب من الخط الفاصل بين الأراضي الفلسطينية الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية والأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1948.
تبعد المدينة نحو 15 كيلومترًا عن ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويتراوح ارتفاعها بين 65 و125 مترًا فوق مستوى سطح البحر. وتُعد طولكرم جزءًا من المنطقة التي عُرفت تاريخيًا باسم "مثلث المقاومة" (طولكرم–نابلس–جنين)، والتي اشتهرت بدورها البارز في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، حيث كانت إحدى أبرز معاقل المقاومة ضد الانتداب البريطاني والتوسع الصهيوني.
الأهمية الجيوستراتيجية
احتلت طولكرم، عبر تاريخها، مكانة استراتيجية بارزة جعلتها مركزًا مهمًا للتجارة والحركة العسكرية، بفضل موقعها المتوسط. وخلال العهدين العثماني والانتداب البريطاني، مرّ عبر المدينة خطان رئيسيان للسكك الحديدية؛ الأول سكة حديد الحجاز، التي ربطت طولكرم بمدينة دمشق مرورًا بجنين والعفولة وبيسان والسَمَخ ودرعا، والثاني خط السكك الحديدية الشرقي، الذي وصل المدينة بالقاهرة ومصر.
وقد توقفت حركة القطارات على كلا الخطين عام 1948، في أعقاب النكبة وقيام دولة إسرائيل.

لقد أسهمت الأراضي الزراعية الخصبة، ووفرة الموارد المائية، والموقع المركزي لمدينة طولكرم في تسريع وتيرة نموها، ولا سيما خلال القرن العشرين. فرغم أن المدينة بدأت كقرية صغيرة تعود جذورها إلى العصر الروماني، فإنها تطورت تدريجيًا لتصبح مركزًا حضريًا مزدهرًا، مستفيدةً من مقوماتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي.
أصل تسمية طولكرم
شهد اسم المدينة تطورًا عبر العصور، حيث عُرفت بعدة تسميات، منها:
بيرات سوريقا (Birat Soreqa) في العصر الروماني، ويعني: "بئر الكرم" أو "بئر العنب".
تور كرم (Tur Karm)، وهو اسم مركب من كلمة "تور" بمعنى جبل، و**"كرم"** بمعنى كروم العنب.
تل كرم (Tall-Karm)، وهو الاسم الكنعاني الذي يعود إلى العصر البرونزي، ويعني "تل كروم العنب".
تور كرم (Tur Karm)، وهو الاسم الذي استُخدم خلال العصر الأموي، قبل أن يُعرَّب لاحقًا إلى طولكرم.
التسلسل التاريخي
العصر الروماني (القرن الثالث الميلادي)
تشير الأدلة الأثرية إلى أن نشأة المدينة تعود إلى هذه الفترة.
الوجود الكنعاني
تكشف المكتشفات الأثرية في القرى المجاورة، مثل جت الكرمل ومجدليون والجلجال، عن وجود استيطان كنعاني مبكر في المنطقة.
العصر المملوكي
في عام 1265م، قام السلطان الظاهر بيبرس بتقسيم المدينة بين اثنين من قادته.
العهد العثماني (1516–1917)
ظلت طولكرم قرية صغيرة حتى عام 1892، حين أُعلنت مركزًا إداريًا لناحية بني صعب، وهو ما شكّل نقطة انطلاق لتوسعها العمراني والإداري في العصر الحديث.
فترة الانتداب البريطاني (1917–1948)
دخلت القوات البريطانية المدينة في 20 سبتمبر/أيلول 1918. وخلال سنوات الانتداب، شهدت طولكرم نموًا سكانيًا ملحوظًا، إذ ارتفع عدد سكانها من 3,349 نسمة عام 1922 إلى 8,090 نسمة عام 1945. ويُعزى هذا النمو إلى الزيادة الطبيعية، إضافة إلى انتقال أعداد من سكان القرى المجاورة إليها، نتيجة تحسن الخدمات، وتوافر فرص العمل، وازدهار السوق الأسبوعي الذي كان يُقام يوم السبت.
البنية التحتية والتوسع العمراني
شهدت طولكرم خلال العهدين العثماني والبريطاني تطورًا ملحوظًا في بنيتها التحتية، حيث أُنشئت فيها مجموعة من المرافق والمؤسسات المهمة، من أبرزها:
سوق الذهب القديم، والسرايا (دار الحكومة)، ومبنى القائم مقام، الذي ضم مكاتب البريد والبرق.
محطة سكة حديد الحجاز، التي لعبت دورًا مهمًا في تسهيل حركة التنقل والتجارة.
كما استقطبت المدينة مهاجرين من نابلس والقرى المجاورة، بفضل توافر الوظائف الإدارية واتساع النشاط التجاري، الأمر الذي أسهم في تعزيز نموها العمراني والاقتصادي.

التهجير والتحولات بعد نكبة عام 1948
أحدثت النكبة الفلسطينية عام 1948 تحولًا جذريًا في التركيبة السكانية لمدينة طولكرم. فبينما استولت إسرائيل على معظم الأراضي الزراعية الخصبة الواقعة إلى الغرب من المدينة، تدفقت إليها آلاف العائلات الفلسطينية التي هُجِّرت من المناطق المجاورة، واتخذتها ملاذًا بعد فقدانها لمنازلها. ولتوفير المأوى لهؤلاء اللاجئين، أُقيم مخيم نور شمس الذي أصبح أحد أبرز مخيمات اللاجئين في المنطقة.
ورغم هذه التحولات والتحديات، واصلت المدينة مسيرة نموها وتطورها حتى اندلاع حرب حزيران/يونيو 1967، التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخها الحديث. فقد أدى الاحتلال الإسرائيلي الذي أعقب الحرب إلى موجة جديدة من التهجير، أُجبر خلالها ما يقارب ربع سكان المدينة على النزوح، ولجأ كثير منهم إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن، في الوقت الذي استقبلت فيه طولكرم أعدادًا من سكان القرى المجاورة المتضررة من الحرب، الأمر الذي أحدث تغيرات جديدة في بنيتها السكانية.
تحت الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية 1967–1995
خضعت مدينة طولكرم للاحتلال الإسرائيلي، وشهدت خلال هذه الفترة مصادرة مساحات من أراضيها، إلى جانب التوسع الاستيطاني في محيطها.
منذ عام 1995
بموجب اتفاقيات أوسلو، انسحبت القوات الإسرائيلية من مدينة طولكرم، وانتقلت إدارتها إلى السلطة الوطنية الفلسطينية. ومع ذلك، استمر الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على أجزاء واسعة من المحافظة وفق ترتيبات الاتفاقيات. وفي أعقاب انتقال الإدارة، بدأت جهود لإعادة تنشيط مؤسسات المدينة وتطوير بنيتها التحتية وتعزيز الخدمات العامة.

ومع ذلك، احتفظت إسرائيل بسيطرتها على الجزء الغربي من محافظة طولكرم، بما يشمل 34 قرية و16 تجمعًا بدويًا.
السكان والدور الإداري
بلغ عدد سكان محافظة طولكرم 20,688 نسمة عام 1961، ثم ارتفع إلى 195,341 نسمة وفقًا لتعداد عام 2020، وهو ما يمثل نحو 7.13% من إجمالي سكان الضفة الغربية و4.6% من إجمالي الفلسطينيين.
وتضم محافظة طولكرم اليوم 42 تجمعًا سكانيًا، تشمل 9 تجمعات حضرية، و31 قرية ريفية، إضافة إلى مخيمي لاجئين.
وتحتل طولكرم مكانة بارزة في الحياة الوطنية الفلسطينية بفضل موقعها الجغرافي المتميز، وصمودها التاريخي، وقدرتها على التكيف مع التحولات التي شهدتها عبر عصور الإمبراطوريات والاستعمار والاحتلال. فقد مرت المدينة بمراحل تاريخية متعاقبة، بدأت من مستوطنة نشأت حول بئر في العصر الروماني، ثم أصبحت مركزًا إداريًا في العهد العثماني، ولعبت دورًا مهمًا في مقاومة الانتداب البريطاني، وتحولت بعد نكبة عام 1948 إلى ملاذ لآلاف اللاجئين الفلسطينيين. واليوم، تُعد مدينة نابضة بالحياة تُدار من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية، وتواصل سعيها نحو التنمية وترسيخ مقومات الدولة الفلسطينية.
المصدر: وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا).




تعليقات