قصة قرية كفر برعم المهجرة
تاريخ التحديث: قبل 4 أيام

تم تهجير أهالي قرية كفر برعم الجليلية قسرًا على أيدي قوات الإحتلال الصهيوني في إطار عملية حيرام، وهي عملية عسكرية بدأت بعد ثلاثة أشهر من إقامة دولة الاحتلال، بهدف احتلال قرى ما يُسمى «الجيب العربي» في الجليل الأعلى.
عندما وصل جيش الإحتلال إلى كفر برعم في تشرين الثاني/نوفمبر 1948، أمر قائد المنطقة السكان بمغادرة القرية لمدة أسبوعين والتوجه لمسافة خمسة كيلومترات شمالًا باتجاه الحدود اللبنانية.
لجأ بعض أهالي القرية إلى كرومهم وحقولهم المجاورة، بانتظار العودة، بينما فرّ آخرون إلى قرى في جنوب لبنان.
أما الذين بقوا في المنطقة، فقد انتقلوا لاحقًا إلى قرية الجش المجاورة، حيث استقروا في المنازل الخالية التي تركها سكانها بعد تهجير جزء منهم إلى لبنان. وفي الوقت نفسه، ظل أهالي كفر برعم الذين وصلوا إلى لبنان مهجّرين هناك حتى اليوم، ولا سيما في مخيم ضبية للاجئين. وقد أدى طول أمد التهجير إلى وفاة سبعة من أطفالهم بسبب البرد والجوع.
قام أهالي كفر برعم المهجّرون الذين بقوا داخل وطنهم بتنظيم صفوفهم وتشكيل لجنة لقيادة نضالهم من أجل العودة إلى ديارهم. وتوجهت اللجنة لاحقًا إلى الجهاز القضائي العسكري للإحتلال، مطالبةً بعودة السكان إلى قريتهم.
وفي هذه المرحلة من تجربة نكبة كفر برعم، صدر حكم قضائي عام 1951 اعترف بحق السكان في العودة إلى قريتهم، لكنه جعل تنفيذ هذا الحق مشروطًا بالحصول على تصريح خاص من الحاكم العسكري. ولم يُمنح هذا التصريح قط. وبناءً على ذلك، لا يزال أهالي كفر برعم مهجّرين داخل وطنهم حتى يومنا هذا.

من الاحتلال إلى التهجير
لم تكتفِ سلطات الاحتلال بتهجير السكان، بل تجاوزت ذلك إلى خلق واقع يحول دون أي محاولة للعودة إلى القرية. وفي عام 1953، قامت القوات الإسرائيلية بتدمير القرية من خلال قصفها جوًّا، ولم يبقَ قائمًا منها سوى كنيستها، وسط أنقاض البيوت المهدّمة وركامها.
وعلى مدار سنوات التهجير، لم يستسلم مهجّرو كفر برعم لمصيرهم، بل اتخذوا أشكالًا مختلفة من النضال والمقاومة، من بينها تنظيم الاعتصامات في القرية، وترميم المقبرة ودفن موتاهم فيها، وترميم الكنيسة وإقامة الطقوس الدينية فيها، وتنظيم وإقامة المخيمات الصيفية ومخيمات العمل التطوعي وغيرها من الفعاليات.
وفي بداية ثمانينيات القرن الماضي، أسس عدد من الشباب من الجيل الثاني للنكبة «حركة العودة – شباب كفر برعم التقدميون». وشرعت الحركة في تنظيم مخيمات صيفية على أرض القرية المهجّرة لأبناء الجيل الثالث من مهجّريها. ولا تزال هذه الفعاليات تُنظَّم اليوم للهدف ذاته، ولكن لأبناء وبنات الجيل الرابع من التهجير.
مخيمات العودة لا مخيمات اللجوء
تُنظَّم المخيمات الصيفية اليوم باعتبارها مخيمات عودة، لا مخيمات لجوء. وتتضمن هذه المخيمات مجموعة واسعة من الفعاليات التعليمية والتوعوية والسياسية والاجتماعية والترفيهية. وخلال المخيم، يمكث عدة مئات من المهجّرين، الذين يعيشون اليوم في قرية الجش المجاورة، وكذلك في حيفا وعكا والمكر والناصرة والقدس وغيرها، على أرض قريتهم المسلوبة لمدة أسبوع.
ويهدف ذلك إلى إحياء النسيج الاجتماعي للقرية والحفاظ عليه، بعد أن تعرض للتفكك على مدى العقود الستة التي أعقبت اقتلاعهم منها. كما يستمر التواصل مع بقية أفراد مجتمع القرية الذين أصبحوا لاجئين في لبنان.
ولا يزال المخيم الصيفي، إلى جانب مخيم العمل التطوعي الذي تنظمه حركة العودة، يُقام سنويًا بصورة منتظمة.
وفي عام 2009، أجرى البراعمة، أي أهالي كفر برعم، انتخابات ديمقراطية لاختيار لجنة تمثل أهالي القرية. وشارك في الانتخابات نحو 1,400 شخص، أي ما يعادل 73% من أصحاب حق الاقتراع المقيمين في البلاد. وشكّلت هذه العملية الديمقراطية الفريدة إنجازًا بحد ذاتها، إذ تمكّن أهالي القرية، رغم الصعوبات التي واجهوها، من إجراء انتخابات لقرية مهجّرة تشتت أبناؤها قسرًا في مناطق مختلفة من البلاد.
مخيم عودة البراعم لعام 2013
تضمّن مخيم عودة البراعم لعام 2013 مجموعة من الفعاليات التثقيفية التي تناولت تاريخ القرية ونضالات أهلها من أجل تحقيق حقهم في العودة. كما شمل أنشطة هدفت إلى إعادة إحياء التواصل مع أفراد مجتمع القرية في الشتات، ولا سيما من خلال كتابة الرسائل بالاستفادة من تقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة.
وشارك المخيّمون أيضًا في جولات تثقيفية هدفت إلى توضيح شكل القرية واستعراض تفاصيل الحياة فيها قبل النكبة. وأتيحت للمشاركين فرصة المشاركة في مجموعة متنوعة من الورش الفنية، من بينها ورش تناولت تقنيات التصوير والتوثيق. كما تخللت المخيم نقاشات ومداخلات حول القضايا السياسية والاجتماعية المرتبطة بحياة الشباب الفلسطيني.
وشهد المخيم كذلك أمسيات ثقافية وفنية، عُرضت خلالها مسرحية «ظريف» لمسرح السيرة، ومسرحية «التغريبة» لمسرح الميدان. كما قدمت جوقة سراج عروضًا للموسيقى الملتزمة والبديلة، إلى جانب فقرات فنية ساخرة وناقدة.
الجديد في تجربة البراعم
مع اختتام مخيم عودة البراعم الرابع والعشرين في 10 آب/أغسطس 2013، قرر أهالي القرية إعلان عودتهم والبقاء على أرض القرية إلى أجل غير محدود، حتى تتحقق العودة. وبعد ذلك بأسبوع، صدر إعلان رسمي عن هذه الخطوة من قبل خادم رعية كفر برعم.
ولا يزال أهالي البلدة من مختلف الأجيال، وخاصة الشباب، يتناوبون على التواجد في قريتهم، في محيط الكنيسة. كما بدأ الموجودون والأهالي عمومًا بتنظيم شؤونهم اليومية، ووضع برنامج للعمل، وعقد اللقاءات والحوارات وتنظيم فعاليات متنوعة أخرى.
ويهدف ذلك إلى استثمار وجودهم الدائم في القرية لرفع مستوى الوعي بقضيتهم، والتأكيد على حق الأهالي في ممارسة حقهم في العودة. كما يلتقون بنشطاء ومتضامنين من مختلف أنحاء البلاد، إلى جانب مجموعات شبابية أخرى من المهجّرين الفلسطينيين في الداخل، ومن بينها شباب قرية إقرت وغيرها.
«عينا جدي سترافقاني حتى العودة»
تقول أسيل أبو وردة، إحدى العائدات المقيمات في كفر برعم:
«لقد أعلنا عودتنا إلى قريتنا، كفر برعم، لأنها حق مسلوب توارثناه عن أجدادنا. عودتنا إلى القرية هي استمرار لنضال جدي، ولنضال كل مقيم ومقيمة في القرية اليوم. العودة هي رواية شخصية لكل واحد وواحدة منا، حملناها على أكتافنا من أجل تثبيت جذورنا هنا. عودتي إلى هنا هي لتذكير السلطات والإعلام الإسرائيلي والغربي بأنهم، في يوم من الأيام، قهروا شعبًا كاملًا. ونحن جزء من هذا الشعب الذي حاولوا انتزاعنا منه. لن أنسى عيني جدي، ولسوف ترافقني عيناه حتى العودة. ورغم عدم وجوده معنا اليوم، تبقى عيناه بوصلة… وبعودتي أشفي جرحه».
العودة حالة رفض للموت وتجسيد للهوية
وفي وصفه للعودة باعتبارها فعلًا، يقول الناشط جورج غنطوس، أحد العائدين ومن منظمي المخيم في كفر برعم:
«إن ما نشهده ونعيشه في كفر برعم هو تعبير عن الروح الحية لأبناء فلسطين وتجسيد لها، يتمثل في إعادة الوصل مع الأرض والمكان. والمطالبة هي، في جوهرها، مطالبة للذات بالعيش بكرامة. وهي رفض للموت المتمثل في خيبة الأمل وقوى الجهاز. لقد عمل أبناء برعم بجد على مدى سنوات طويلة من أجل إعادة بناء هويتهم المحلية، وطرقوا أبوابًا عديدة، وثابروا على أرض قريتهم. واليوم نقطف ثمار هذا الاستمرار؛ فنرى شبابًا يافعًا يعمل بجد وإخلاص، وينسج من جديد مجتمعًا نضاليًا. جاءت الشرارة الأخيرة من شباب إقرت، الذين عززوا، من خلال التواصل المستمر، خفقان الدم في العروق. نحن أبناء فلسطين وجنوب لبنان والشام على وعد مع الحق والحرية. ونسعى إلى أن يتطور هذا الفعل ليصبح حالة نضالية راسخة الجذور في الأرض، تشمل جميع المضطهدين، ونخص بالذكر أهلنا في جميع المخيمات والشتات».
ومن الواضح أن هذه الخطوة لم تلقَ استحسان السلطات الإسرائيلية، إذ قامت سلطة الأراضي الإسرائيلية في 21 آب/أغسطس، بعد 11 يومًا من إعلان العودة، بتعليق إنذار بالإخلاء في المنطقة التي كان العائدون يخيمون فيها.
وقد دفع ذلك الأهالي إلى تركيز جهودهم على دراسة سبل التصدي لهذا التصعيد من جانب سلطات الاحتلال، مع تأكيد أهل القرية
وإصرارهم على أنه لا مجال للتراجع عن مشروع العودة والتواجد الدائم في كفر برعم، حاضنة الروح والهوية.
المصدر: مركز بديل.

تعليقات