جنين

الموقع:
تتربع مدينة جنين على بُعد 41 كيلومتراً من مدينة نابلس، وتُطلُّ بشموخ على سهل مرج ابن عامر. ويقوم جزءٌ كبير من عمران المدينة فوق "تل عز الدين" الواقع إلى الشرق منها. وبفضل وفرة مواردها المائية، اشتهرت جنين بجنائنها وبساتينها الغنّاء؛ ويُعتقد أن اسمها القديم "جَنّيم" يعني "الجنان" أو "الحدائق". ترتفع المدينة عن مستوى سطح البحر ما بين 125 و250 متراً، وتستقر عند الطرف الجنوبي لمثلث مرج ابن عامر، مما جعلها عُقدة مواصلات استراتيجية تربط بين طرقٍ حيوية تصلها بنابلس، والعفولة، وبيسان، وحيفا، والناصرة.
يُعتقد أن جنين قد أُسست فوق أنقاض مدينة "عين جَنّيم" الكنعانية القديمة، والتي تعني "عين الجنان". وفي العصر الروماني، عُرفت المنطقة باسم "جينا" (Gina)، وفي العصر البيزنطي شُيّدت كنيسةٌ في الموقع لا تزال بقاياها ماثلةً للعيان بالقرب من مسجد جنين الكبير. ومع حلول القرن السابع الميلادي، فُتحت المنطقة على يد العرب المسلمين بعد انتصارهم على البيزنطيين، ومنذ ذلك الحين استقر اسم "جنين" المستمد من دلالته العربية المرتبطة بالبساتين والحدائق.
الأهمية التاريخية:

تمتلك جنين تاريخاً عريقاً يمتد إلى العصر الكنعاني، وقد خضعت لسيطرة قوى متعاقبة عبر التاريخ، كالممالك الرومانية والبيزنطية والصليبية، وصولاً إلى الفتح الإسلامي. وفي العصر الصليبي، حُصّنت المدينة، ولكن بعد معركة حطين عام 1187م، استردها المسلمون بقيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي.
خلال العصر المملوكي، شهدت جنين طفرةً عمرانية، تمثلت في بناء "الخان" (محطة القوافل) والمسجد الكبير على يد "فاطمة خاتون"، ابنة أحد سلاطين المماليك. وعلى الرغم من سيطرة الصليبيين لفترة وجيزة في القرن الثاني عشر، إلا أن قوات صلاح الدين تمكنت من طردهم.
العهدان العثماني والحديث:
انضمت جنين إلى الدولة العثمانية عام 1516م، ثم خضعت للسيطرة المصرية في القرن التاسع عشر. كما عانت المدينة من حملة نابليون بونابرت، حيث أُحرقت جزئياً انتقاماً منها لدعمها العثمانيين. وفي ظل الانتداب البريطاني، أضحت جنين معقلاً للمقاومة، لا سيما بقيادة الشيخ عز الدين القسّام ورفاقه.
وعقب رحيل القوات البريطانية عام 1948م، خضعت المدينة لفترة وجيزة لسيطرة القوات الفلسطينية والعراقية، التي نجحت في استعادة عدة قرى. ومع حرب عام 1967م، أصبحت المدينة جزءاً من الضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي، وبقيت كذلك حتى انتقلت الإدارة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1995م.
الزراعة: تُعرف جنين بثرائها الزراعي، ولا سيما في زراعة الزيتون؛ إذ تُعد من أهم مناطق إنتاجه في فلسطين، وتشتهر بلدات مثل قباطية ويعبد بإنتاج أجود أنواع زيت الزيتون في شمال الضفة الغربية.
السكان والنشاط الاقتصادي: التطور السكاني: كان النمو السكاني بطيئاً بين عامي 1922 و1931 بسبب الهجرة إلى المدن الساحلية، حيث ارتفع من 2,627 إلى 2,774 نسمة. أما بين عامي 1947 و1952، فقد شهدت المدينة قفزةً سكانية كبيرة نتيجة تدفق اللاجئين إليها بعد نكبة 1948، فارتفع العدد من 4,500 إلى 12,663 نسمة. تلا ذلك انخفاض حاد إلى 8,344 نسمة إثر موجات النزوح القسري إلى الأردن ودول الخليج بعد حرب 1967. وبحلول عام 1997م، عاود النمو السكاني تصاعده مع عودة الكثيرين، ليصل إلى 26,650 نسمة.
الأنشطة الاقتصادية:
الزراعة: شكلت الزراعة الركيزة الأساسية للاقتصاد (الزيتون، الحمضيات، الخضروات، والحبوب). غير أن الإنتاج تراجع بشكل ملحوظ بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، إذ انخفض حجم المحاصيل من 16,300 طن في عام 1940 إلى مستويات أدنى في السنوات اللاحقة. كما تراجعت تربية الماشية، خاصة الماعز، مع توسع الرقعة الزراعية وانحسار أراضي الرعي.
الصناعة: لا تمتلك جنين قاعدة صناعية كبرى، لكنها تضم صناعات وحرفاً صغيرة كالخياطة، والحدادة، ومعاصر زيت الزيتون، ومطاحن الدقيق، ومقالع الحجارة، إلى جانب صناعات البلاط، والأحذية، والنجارة.
الأنشطة الثقافية: التعليم:
تعود جذور النظام التعليمي في جنين إلى القرن التاسع عشر عبر "الكتاتيب". وفي أواخر القرن نفسه، تأسست أول مدرسة ابتدائية، ثم مدرسة ثانوية في عام 1943م. بعد نكبة 1948، لم يتبقَ في جنين سوى مدرستين (واحدة للبنين وأخرى للبنات). وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي، شهد عدد المدارس وأعداد الطلاب الملتحقين بها زيادة ملحوظة.
المعالم التاريخية والسياحية: كنيسة برقين:
تُعد هذه الكنيسة المكرسة للقديس جاورجيوس (الخضر) جزءاً من كنيسة الروم الأرثوذكس. يعود تاريخ الجزء الأول منها إلى أكثر من 2000 عام، بينما شُيّد الجزء الثاني قبل نحو 1500 عام في عهد الإمبراطور قسطنطين ووالدته هيلانة.

كنيسة برقين تكتسب كنيسة برقين أهمية بالغة بوصفها خامس أقدس موقع مسيحي في العالم، ورابع أقدم كنيسة عالمياً بعد كنيسة المهد، وكنيسة البشارة، وكنيسة القيامة. وقد ورد ذكرها في الكتاب المقدس، كما أُشير إليها في كتاب "معجزات السيد المسيح". وتُعزى قدسية الكنيسة إلى ارتباطها بمعجزة شفاء السيد المسيح للبرص العشرة داخل كهفها أثناء رحلته من الناصرة إلى القدس. وتفصّل رواية إنجيل لوقا هذه المعجزة، مبينةً أن من بين البرص العشرة الذين شُفوا، لم يعد ليشكر المسيح سوى سامريٍّ واحد.
البنية والتصميم: تمتد الكنيسة على مساحة تقارب 800 متر مربع، وتتوزع بنيتها على ثلاثة أقسام رئيسية، يضاف إليها فناء خارجي مفتوح، وحديقة، وجناح حديث مخصص للتعليم، وغرفة مخصصة للكاهن.
القسم الأول (الكهف): يُعدُّ الجزء الأهم في الكنيسة، وهو كهف محفور في الصخر تبلغ مساحته نحو 20 متراً مربعاً. تعلوه نافذة مستديرة تشير الروايات التاريخية إلى أنها استُخدمت قديماً لتدلي منها الموائد (الطعام) للبرص العشرة الذين كانوا يأوون إلى هذا الكهف.
القسم الثاني (قاعة الكنيسة): شُيّد هذا الجزء قبل نحو 1500 عام. ويوجد في داخله كرسي الأسقف المنحوت من الحجر على هيئة رأسي أسد، حيث يجلس الكاهن لإلقاء العظات الدينية. وبجانبه يقع المذبح، وتفصل القاعة حواجز تعلوها اثنتا عشرة نافذة صغيرة ترمز إلى تلاميذ المسيح الاثني عشر. يقتصر هذا القسم على الكهنة حصراً، ويُحظر على النساء، بما في ذلك الزائرات، دخوله، كما أن تنظيف أرضيته مخصص للرجال فقط. وتزدان جدران الكنيسة الخارجية بنقوش أثرية بدأت تتلاشى تدريجياً بفعل عوامل التعرية.
القسم الثالث: هو كهف مفتوح يقع في الزاوية الشرقية، كان يُستخدم قديماً كمدرسة لتعليم الأطفال، وتعلوه قنطرة (قوس). وتعود جدران هذا القسم إلى نحو 1500 عام. الجدير بالذكر أن النافذة المستديرة والجرس الحالي للكنيسة لا يزالان على حالهما منذ ما قبل عام 1948.
المسجد الكبير:
يُعد المسجد الكبير أحد المعالم التاريخية البارزة في المدينة، حيث شيدته "فاطمة خاتون"، ابنة محمد بك بن السلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري، ويقع المسجد في قلب مدينة جنين.

المسجد الصغير:
لا يوجد لهذا المسجد توثيق تاريخي مُحدد؛ إذ تتباين الروايات حول أصله، فبينما يعتقد البعض أنه كان مقراً للضيافة أُنشئ في عهد الأمير الحارثي، ينسبه آخرون إلى إبراهيم الجزار، حاكم عكا العثماني الشهير.
خربة عبّه:
تقع الخربة في الجانب الشرقي من المدينة، ضمن أراضي سهيلة، وتضم بقايا قرية اندثرت، بالإضافة إلى صهاريج مياه محفورة في الصخر، ومدفن منحوت في الصخر عُثر بداخله على عدد من القناديل الزيتية.
خربة خروبة:
تستقر هذه الخربة فوق تل يرتفع نحو كيلومترين شمالي جنين، وتزخر ببقايا برج ذي قاعدة مائلة، إلى جانب أساسات معمارية، وجدران، وصهاريج، وكهوف، ومدافن أثرية.
تل تعنك:
يُعد تل تعنك موقعاً أثرياً كان في الأصل مدينة كنعانية، ثم استُوطن لاحقاً خلال العصور العربية والإسلامية. يقع التل على الحافة الشمالية الغربية لقرية "تعنك" المعاصرة، على بُعد ثمانية كيلومترات شمال غربي مدينة جنين في شمال الضفة الغربية بفلسطين.
نفق بلعمة:
نفق بلعمة هو نفق مائي منحوت في الصخر، ويُصنف كواحد من أبدع الأنفاق المائية التي اكتُشفت في فلسطين. كان يُستخدم كمسار آمن لسكان مدينة "بلعمة" القديمة للوصول إلى نبع الماء الواقع عند سفح خربة بلعمة، المعروف بموقع "إبلعام". وقد ورد ذكر هذا الموقع في الأرشيفات الملكية المصرية التي تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، بينما تم الكشف عن الموقع الأثري للنفق خلال عمليات التنقيب التي جرت في عامي 1996 و1997م.

تل الحفيرة (تل دوثان): يقع تل دوثان إلى الجنوب من مدينة جنين على بُعد ستة كيلومترات تقريباً، بالقرب من سهل عرابة من جهته الشرقية، بجوار بئر الحفيرة. وتحيط بالموقع أشجار اللوز والحمضيات، كما يوجد عند سفحه الجنوبي نبع ماء يُعد المصدر الوحيد للمياه في المنطقة.
تاريخياً، يرتبط تل دوثان بقصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته؛ إذ يُعتقد أن يوسف أُلقي في الجُب في هذا المكان. وتعود أقدم الاستيطانات البشرية في المنطقة إلى العصر النحاسي، حيث عُثر في الموقع على العديد من كسر الفخار التي تنتمي إلى العصر الحجري والعصر النحاسي المتأخر. وقد أُعيد بناء الموقع عدة مرات خلال العصر الحديدي والفترة الهلنستية، وعُرف حينها باسم "دوثان"، حيث أُنشئت مستوطنة صغيرة فوق قمة التل خلال تلك الحقب.
وقد كشفت التنقيبات الأثرية جزئياً عن مبنى ضخم في القمة، يتألف من نحو ستة أفنية وقرابة 150 غرفة. وفي الوقت الحاضر، أُقيمت قرية فلسطينية تقليدية على الطرف الغربي من الموقع الأثري.

المصدر: وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) وموقع فلسطين في الذاكرة.




تعليقات