الرملة

الرملة مدينة فلسطينية عربية، وكانت مركز قضاء الرملة خلال فترة الانتداب البريطاني. احتلتها القوات الصهيونية في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين 12 تموز/يوليو 1948، بعد أن خاض أهلها مقاومةً بطولية. وأعقب احتلالها تهجيرُ الغالبية العظمى من سكانها العرب، ولم يبقَ فيها سوى نحو 400 نسمة (انظر: معركة اللد والرملة). وبعد عام 1948، أُقيمت على أطراف الرملة عددٌ من المستعمرات، من أبرزها مستعمرة أحيسماخ في الجهة الشمالية الشرقية، ومستعمرة متسلياح في الجهة الجنوبية، ومستعمرة ياد رامبام في الجهة الجنوبية الشرقية.

أ- الموقع الجغرافي
تتمتع الرملة بموقع جغرافي بالغ الأهمية، إذ تقع في وسط السهل الساحلي الفلسطيني، إلى الجنوب الشرقي من يافا والجنوب الغربي من اللد. وتقع عند ملتقى الطرق وخطوط السكك الحديدية التي تربط مصر ببلاد الشام والعراق. كما تُعد الرملة حلقة وصل طبيعية بين السهل الساحلي وبيئة البحر المتوسط من جهة، والمرتفعات ووادي الأردن من جهة أخرى، مما يجعلها عقدة مواصلات رئيسية تربط بين الشرق والغرب، شأنها في ذلك شأن مدينة اللد.
وتُشكل منطقة الرملة أيضًا ظهيرًا زراعيًا خصبًا وقريبًا من ميناء يافا، الذي شهد ازدهارًا ملحوظًا في أواخر فترة الانتداب. فقد كانت السفن المحملة بالبضائع الأجنبية تصل إلى الميناء، ثم تُنقل عبر الرملة إلى مختلف أنحاء فلسطين، كما كانت الحمضيات المنتجة في منطقتي اللد والرملة تُصدر إلى الخارج. ويُوفر وادي الصرار، الممتد من جبال القدس باتجاه البحر الأبيض المتوسط، ممرًا طبيعيًا يربط بين القدس والرملة. ويمتد كل من الطريق المعبد وخط السكك الحديدية بين المدينتين بمحاذاة الوادي، مرورًا بالرملة في اتجاه يافا. وتبعد الرملة 45 كم عن القدس، ويشرف على الطريق الواصل بين القدس والرملة كل من باب الواد، الذي يبعد 21 كم عن الرملة، واللطرون، الذي يبعد 16 كم عنها.
وترتبط الرملة بشبكة مواصلات متطورة، إذ تبعد 3.5 كم عن محطة اللد، و9.5 كم عن العساكر، و9 كم عن بيت دجن، و7 كم عن صرفند، و10 كم عن القبة. كما استفادت المدينة بدرجة كبيرة من قربها من مطار اللد.

ب- التضاريس والمناخ
تقع الرملة على أرض منبسطة ضمن السهل الساحلي الفلسطيني، ويتراوح ارتفاعها بين 75 و100 متر فوق مستوى سطح البحر، مع انحدار عام للأرض نحو الشمال والشمال الغربي. ويجري وادي الحبل في الأراضي الواقعة شرق الرملة، حيث تمتلئ مجاريه بمياه الأمطار خلال فصل الشتاء، مما يسهم في تغذية الخزانات الجوفية. ويشكل هذا الوادي الحد الشرقي للأراضي الزراعية المحيطة بالرملة.
وتتكون أراضي المنطقة أساسًا من رواسب العصر الرابع، التي تشمل الرمال البحرية الزاحفة شرقًا عبر السهل الساحلي، إضافة إلى الرواسب الطينية التي تخلفها فيضانات الأودية القادمة من المناطق الجبلية الواقعة شرقًا. ولذلك، تتميز المنطقة بتربتها الحمراء المتوسطية، الملائمة لزراعة مختلف المحاصيل، ولا سيما الحمضيات والزيتون والحبوب.
وتقتصر المياه السطحية في الرملة على مياه السيول التي تجري في الأودية خلال فصل الشتاء، في حين تزخر المنطقة بالمياه الجوفية التي تُستخدم في الري، والشرب، وتلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية.
ويتميز مناخ الرملة بالاعتدال، إذ يبلغ متوسط درجة الحرارة السنوي نحو 20°م، ويتراوح بين 13°م في كانون الثاني/يناير و26°م في آب/أغسطس. ويُعد حدوث الصقيع وتساقط الثلوج من الظواهر النادرة في المدينة، بينما يبلغ متوسط الرطوبة النسبية السنوي نحو 65%. كما تستفيد الرملة من نسمات البحر الباردة التي تبدأ بالهبوب اعتبارًا من الساعة التاسعة صباحًا، فتُخفف من حدة الحرارة. ويزيد متوسط الهطول المطري السنوي في الرملة على 500 ملم، وهو معدل كافٍ لتخزين الرطوبة في التربة ودعم نمو معظم أنواع المحاصيل الزراعية.

ج- النشأة والتطور
تُعد الرملة من المدن الفلسطينية التي أُنشئت في العصر الإسلامي، ولا توجد دلائل تشير إلى وجود مدينة في موقعها قبل ذلك. إلا أن المنطقة المحيطة بموقعها الحالي كانت مأهولة خلال العصر الحجري الحديث بقرية زراعية، طورها الكنعانيون لاحقًا لتصبح قرية جازر (أبو شوشة حاليًا). وقد كُشف في الموقع عن بقايا سور، وآثار لمنتجات زراعية، وعدد من شظايا الفخار العائدة إلى تلك المستوطنة القديمة.
وسُمّيت المدينة الرملة نسبةً إلى كثرة الرمال في المنطقة. وقبل أن تُعرف بهذا الاسم، ارتبطت بامرأة تُدعى رملة، إذ تذكر الروايات أن الخليفة سليمان بن عبد الملك صادف خيمتها أثناء وجوده في المنطقة، فأنشأ المدينة وأطلق عليها اسمها تكريمًا لها.
أسس سليمان بن عبد الملك، والي فلسطين الأموي في عهد أخيه الخليفة الوليد بن عبد الملك، مدينة الرملة خلال الفترة 715–717م، ونقل إليها مقر إدارة الإقليم من اللد. كما شيّد قصرًا، ودارًا للإمارة، وبدأ ببناء المسجد. واستقرت في الرملة قبائل عربية متعددة، من أبرزها لخم وكنانة. وفي عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، شُقت قناة لجلب المياه إلى المدينة، كما حُفرت الآبار لتوفير المياه العذبة.
ووصف الإصطخري الرملة بأنها «حاضرة فلسطين الكبرى، وتليها القدس في الحجم». كما أشاد الرحالة المقدسي في القرن الثاني عشر بوفرة ثمارها، ولا سيما التين والتمر، وعذوبة مياهها، وجودة طعامها. وأبرز ما تمتعت به المدينة من مزيج بين الطابعين الريفي والحضري، بما ضمته من حصون ومساجد وخانات وحمامات ومنازل واسعة وشوارع فسيحة.

د- المعالم التاريخية في الرملة
من أبرز المعالم التاريخية في الرملة القصر الذي بناه الخليفة سليمان بن عبد الملك، والذي يشغل موقع حديقة البلدية حاليًا، ولا تزال أجزاء من أسواره قائمة حتى اليوم. كما تضم المدينة بقايا المسجد الأبيض، الذي شيده سليمان بن عبد الملك، ثم دمره الصليبيون، وأعاد صلاح الدين الأيوبي بناءه. ويُعتقد أن المئذنة الحالية أُنشئت في عهد السلطان محمد بن قلاوون، فوق بقايا برج كان قد شيده الظاهر بيبرس.
ومن معالمها البارزة أيضًا الجامع الكبير، الذي كان في الأصل كنيسة القديس يوحنا المعمدان، وقد أنشأها الصليبيون في القرن الثاني عشر، ثم خضعت لعدة عمليات ترميم، كان آخرها في عهد السلطان العثماني محمد الخامس.
ويقع بركة العنزية على بعد نحو كيلومتر واحد إلى الشمال الغربي من الرملة، وهي من المنشآت العباسية التي لا تزال محفوظة بحالة جيدة. ويُعتقد أنها أُقيمت بأمر من الخيزران زوجة الخليفة العباسي المهدي، خلال عهد ابنها الخليفة هارون الرشيد سنة 173هـ (789م)، وهي الأثر العباسي الوحيد المتبقي في المنطقة.
هـ- الرملة الحديثة
شهدت الرملة تطورًا ملحوظًا خلال فترة الانتداب البريطاني، إذ ارتفع عدد سكانها من نحو 6,500 نسمة قبل الحرب العالمية الأولى إلى 7,312 نسمة عام 1922، ثم إلى 10,347 نسمة عام 1932، و15,160 نسمة عام 1945، ليبلغ 16,370 نسمة عام 1946. وشهدت المدينة خلال هذه الفترة توسعًا عمرانيًا، حيث امتدت المباني والمرافق على طول الطرق الرئيسة، ولا سيما طريق الرملة–يافا.
غير أن ازدهار الرملة لم يدم طويلًا، إذ تعرضت لنكبة عام 1948، حين احتلتها إسرائيل، وهُجِّر معظم سكانها العرب، ودُمِّر عدد من منازلها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من السكان. وبحلول أواخر عام 1948، انخفض عدد السكان إلى نحو 1,547 نسمة، إلا أن تدفق المستوطنين الصهاينة رفع عدد السكان إلى 20,548 نسمة بحلول عام 1961. وأدى ذلك إلى توسع المدينة بصورة رئيسة باتجاه الغرب والجنوب الغربي.
وبحلول عام 1973، بلغ عدد سكان الرملة نحو 36,000 نسمة، من بينهم 4,800 عربي. وفي عام 2001، ارتفع عدد السكان إلى 63,400 نسمة، في حين حظيت الأحياء العربية في المدينة باهتمام محدود من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، إذ تتركز معظم الخدمات والمرافق العامة في الأحياء اليهودية، ولا سيما في المناطق الحديثة من المدينة.
و- البنية الوظيفية
تطورت وظائف الرملة منذ تأسيسها. فقد أُنشئت في الأصل لتكون عاصمة جند فلسطين بفضل موقعها المركزي، وظلت تؤدي هذا الدور خلال العصور الأموي والعباسي والمملوكي. ومع أواخر العهد العثماني، أصبحت مركزًا لقضاء يتبع يافا، وكان يضم 59 قرية.
وتُعد الرملة مركزًا إداريًا وتجاريًا وزراعيًا وصناعيًا وتعليميًا مهمًا، ويعتمد اقتصادها اليوم بصورة كبيرة على الصناعة، ولا سيما صناعة الإسمنت، إضافة إلى استفادتها من قربها من منطقتي تل أبيب ويافا.
وتتمثل الوظائف التي تؤديها مدينة الرملة فيما يلي:

الوظيفة الإدارية
ارتبطت الوظيفة الإدارية بمدينة الرملة منذ نشأتها، إذ خُطط لها منذ البداية لتكون عاصمة جند فلسطين بفضل موقعها الاستراتيجي. وقد اتخذها الأمويون والعباسيون والمماليك عاصمة لفلسطين. وفي أواخر العهد العثماني، أصبحت مركزًا لقضاء يتبع متصرفية يافا، وكان يضم 59 قرية. وخلال فترة الانتداب البريطاني، غدت مركزًا للقضاء الذي حمل اسمها. ويضم قضاء الرملة اليوم مدينتي الرملة واللد، إلى جانب 70 قرية وعدد من المستعمرات اليهودية، وتبلغ مساحته 926.7 كم². وقبل عام 1948، كان اليهود يملكون نحو 13.8% من إجمالي مساحة أراضي القضاء، أما اليوم فيسيطرون على كامل أراضيه. وقد بلغ عدد سكان القضاء نحو 49,075 نسمة عام 1922، وارتفع إلى 70,579 نسمة عام 1931، ثم إلى 127,270 نسمة عام 1945. ويشكل اليهود اليوم غالبية سكان القضاء الواقع تحت الاحتلال.
الوظيفة التجارية
شكّلت الرملة مركزًا تجاريًا مهمًا منذ بدايات العصر الإسلامي، إذ كانت تقع على طريق التجارة الواصل بين مصر وبلاد الشام. واستقر فيها العديد من التجار بفضل ازدهار نشاطها التجاري عبر مختلف الحقب التاريخية. وخلال فترة الانتداب البريطاني، كانت المدينة تمثل سوقًا رئيسة للقرى المجاورة، حيث كانت تُتداول فيها المنتجات الزراعية والحيوانية والصناعية. كما أسهم قربها من مدينة اللد، أكبر مدن القضاء، في تنشيط الحركة التجارية فيها. أما اليوم، فيقدم السوق المحلي في الرملة الخدمات الأساسية للمستعمرات اليهودية المجاورة، كما يستوعب المنتجات القادمة منها.
الوظيفة الزراعية
أسهم موقع الرملة في منطقة زراعية خصبة في جعل الزراعة إحدى أبرز وظائفها، حيث عملت نسبة كبيرة من سكانها في هذا القطاع، ولا سيما في زراعة الزيتون والحمضيات والحبوب والخضروات. وقد وصف الرحالة الذين زاروا المدينة في القرون الماضية خصوبة أراضيها، ووفرة مياهها، وتنوع محاصيلها الزراعية، مثل العنب والرمان والتفاح والبرتقال والبطيخ والتين والتمر والقمح والبصل والقطن. وكان الإنتاج الزراعي يشكل ركيزة أساسية لنشاطها التجاري، حيث خُصصت أسواق لمنتجات معينة، مثل سوق الحبوب وسوق البهارات وسوق القطن. وفي عام 1945، بلغت مساحة أراضي الرملة نحو 38,983 دونمًا، خُصص منها 1,169 دونمًا للطرق والسكك الحديدية والأودية، بينما بلغت مساحة الأراضي التي كان يملكها اليهود 185 دونمًا. وبحلول عام 1943، وصلت مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون إلى نحو 7,420 دونمًا، في حين بلغت مساحة بساتين الحمضيات 3,663 دونمًا.
الوظيفة الصناعية
اشتهرت الرملة منذ القدم بصناعاتها التقليدية، مثل صناعة الأقمشة القطنية والكتانية، وغزل الصوف، ونسج السجاد، وإنتاج الألبان، وزيت الزيتون، والصابون، وغيرها. وخلال فترة الانتداب البريطاني، شهد الإنتاج الصناعي في المدينة نموًا ملحوظًا، وإن ظل يتركز في الصناعات التقليدية والخفيفة، ومن أبرزها الصناعات الغذائية والنسيجية وغيرها من المنتجات المصنعة. ويعتمد اقتصاد المدينة اليوم بدرجة كبيرة على القطاع الصناعي، مستفيدًا من موقعها على طريق القدس–يافا، ومن وقوعها عند تقاطع خطوط السكك الحديدية الرئيسة، مما يسهل نقل البضائع وتنقل العمال من القرى المجاورة. كما تستفيد الصناعة في المدينة من قربها من الموارد المائية في أشدود. وتضم الرملة عددًا كبيرًا من المصانع، ومن أبرز منتجاتها الصناعية الإسمنت، حيث تضم أكبر مصنع للإسمنت في إسرائيل، إلى جانب الصناعات الخشبية، والمنتجات المعدنية، والمحركات، والثلاجات، والأغذية المعلبة. وتتركز معظم هذه المصانع في منطقتين صناعيتين داخل المدينة.
الوظيفة التعليمية
في أواخر العهد العثماني، ضمت الرملة سبع مدارس، كان معظمها مدارس خاصة. وخلال فترة الانتداب البريطاني، أصبح في المدينة مدرستان حكوميتان ثانويتان، إحداهما للبنين والأخرى للبنات، إضافة إلى ثلاث مدارس ابتدائية هي: مدرسة الرملة البلدية، والمدرسة الصلاحية، والمدرسة الوطنية للبنات. كما احتضنت المدينة عددًا من المدارس الخاصة، منها المدرسة العباسية التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى، ومدرسة البنات الكاثوليكية، ومدرسة اللاتين. وفي عام 1946، بلغ إجمالي عدد طلاب المدارس في الرملة 2,482 طالبًا. وقد تخرج في الرملة عدد من العلماء والمثقفين الذين أسهموا في تعليم الأجيال المتعاقبة وإعدادها.





تعليقات