top of page
logo.webp

القُدس

1 يوليو
3 دقيقة قراءة

القُدس هي عاصمة فلسطين، وحاضرتها الكبرى مساحةً وسكاناً، والركيزة الأهم في ميزانها الديني والاقتصادي. وضع لَبِناتها الأولى أجدادنا اليبوسيون في الألفية الخامسة قبل الميلاد، لتتربع المدينة في قلب منطقة جبلية شامخةٍ بين أحضان البحر الأبيض المتوسط والبحر الميت. ومع تعاقب الحقب، نمت القُدس وتوسعت، وتفاعلت فيها الحضارات التي تعاقبت على حكمها، صائغةً هويتها الثقافية وتركيبتها الديموغرافية وصولاً إلى يومنا هذا.

إن تاريخ القُدس الثري يعكس موقعها الاستثنائي في الحضارة الإنسانية؛ فهي مدينةٌ تُعدُّ منارةً روحية ومركزاً ثقافياً تمايزت بثرائها الحضاري، حيث تركت الأمم التي عبرت من هنا إرثاً شاهداً على عظمة هذا المكان. وتُعدُّ هذه الآثار الزاخرة توثيقاً حياً لتاريخ المدينة المتجدد، ودليلاً دامغاً على حضورها الراسخ عبر العصور. وإلى اليوم، تظلُّ القُدس واحدةً من أكثر مدن العالم تأثيراً؛ إذ تضافرت عبر التاريخ عوامل عدة لجعلها ملتقىً حضارياً وروحياً فريداً، يأتي في طليعتها موقعها الجغرافي الفريد، ومكانتها الدينية السامية، وتنوعها الثقافي البديع

شرطيٌّ في عهد الانتداب البريطاني عام 1934
شرطيٌّ في عهد الانتداب البريطاني عام 1934

تتمتع المدينة بموقع استراتيجي فريد؛ إذ تُعدُّ حلقة وصلٍ بين قارات العالم الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما جعلها ملتقىً عالمياً للتجارة والثقافة. كما تتبوأ مكانةً مقدسة لدى الديانات التوحيدية الثلاث (الإسلام، والمسيحية، واليهودية)، وتحتضن معالم دينية بارزة، على رأسها المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة، لتغدو على مر العصور قبلةً للزوار والحجاج. لقد شهدت القُدس تعاقب حضارات عريقة، كالكنعانيين، والرومان، والعرب، والصليبيين، والعثمانيين، حيث تركت كل منها بصمتها الخاصة، مما أثرى هوية المدينة المعمارية والثقافية.

وقد تشكلت هوية القُدس الحضارية والمعمارية عبر التأثر العميق بهذه الحضارات، مما رسخ مكانتها كبوتقة تنصهر فيها الأديان والثقافات على مر التاريخ. ومن أبرز تلك التأثيرات:

  • الحضارة الكنعانية: تُصنف القُدس ضمن أقدم مدن العالم، حيث أسسها الكنعانيون حوالي عام 3000 قبل الميلاد. وقد خلفت حضارتهم آثاراً معمارية وثقافية، كالجدران القديمة والمعابد، مما يعكس بدايات تاريخ المدينة حين اتخذها اليبوسيون مركزاً لهم.

  • الحضارة الرومانية: عقب الفتح الروماني، خضعت القُدس لتحولات جذرية في بنيتها التحتية، شملت تشييد المعابد وشق الطرق. وقد خلّف تدمير "الهيكل الثاني" عام 70 للميلاد أثراً عميقاً في الوجدان الديني اليهودي وتاريخ المدينة.

الحضارة الإسلامية: مع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، تبوأت القُدس مكانةً مركزية كحاضرةٍ من حواضر الثقافة الإسلامية. وقد أسهم تشييد المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة في تعزيز مكانتها الدينية المرموقة، كما شهدت المدينة ازدهاراً حضارياً وعلمياً لافتاً في ظل الحكم الإسلامي.

الحقبة الصليبية: خلال الحروب الصليبية، خضعت القُدس لسيطرة الصليبيين الذين اتخذوها مركزاً لمملكتهم. وقد تركت هذه الفترة بصمات معمارية واضحة، تمثلت في القلاع والحصون والكنائس، كما أحدثت تحولات جوهرية في التركيبة الديموغرافية والثقافية للمدينة.

الحكم العثماني: خضعت القُدس للحكم العثماني لما يزيد عن أربعة قرون (1517–1917م)، وهي فترةٌ شهدت فيها المدينة نهضةً ثقافية ومعمارية مشهودة؛ حيث شُيّدت العديد من المعالم الإسلامية، وأسهم العثمانيون بشكلٍ فاعل في الحفاظ على التنوع الديني والثقافي الذي يميز المدينة.


نظراً للمكانة العظيمة التي تحظى بها القُدس، فقد عانت من ويلات التدمير المتكرر؛ إذ دُمِّرت مرتين، وحُوصرت 23 مرة، وتعرضت للهجوم 52 مرة، كما سقطت في يد الغزاة واستُردت 44 مرة. وتُعد القُدس واحدة من أقدم مدن العالم التي لم تنقطع فيها الحياة منذ تأسيسها. وجرت العادة أن تُقسَّم المدينة إلى أربعة أحياء: الحي الأرمني، والحي المسيحي، والحي اليهودي، والحي الإسلامي. واليوم، تقف القُدس في قلب الصراع القائم بين الشعب الفلسطيني والمشروع الاستيطاني الصهيوني.

في عام 1917، وعقب هزيمة الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى، خضعت القُدس -ومعها كامل فلسطين- للانتداب البريطاني. ومما ميز هذه الحقبة بشكل لافت الارتفاع الحاد في وتيرة الهجرة اليهودية إلى المدينة؛ إذ تضاعف عدد السكان اليهود من 52 ألفاً إلى 165 ألفاً بحلول عام 1948، وذلك بدعم وتسهيلات من سلطات الانتداب. فقد عملت بريطانيا على بناء أحياء كاملة للمستوطنين اليهود في الأجزاء الشمالية والغربية من المدينة وأسست لهم المؤسسات، بينما قمعت في الوقت ذاته المقاومة الفلسطينية واضطهدت السكان الأصليين.

في عام 1947، اقترحت الأمم المتحدة تدويل القُدس وبيت لحم تحت إشرافها، على أن يُجرى استفتاء بعد عشر سنوات لتحديد نظام الحكم المستقبلي فيهما. إلا أنه في عام 1948، أنهت بريطانيا انتدابها وسحبت قواتها، وسلمت فعلياً السلطة والأسلحة للميليشيات الصهيونية، مما مكنها من بسط سيطرتها.

وفي العام نفسه، احتلت القوات الصهيونية القدس الغربية، ثم عادت في عام 1967 لتحتل القدس الشرقية التي كانت خاضعة لإدارة المملكة الأردنية الهاشمية. وفي عام 1980، أقدمت إسرائيل على ضم القدس الشرقية بشكل غير قانوني -في مخالفة صريحة للقوانين الدولية والاتفاقيات وقرارات الأمم المتحدة- وأعلنت المدينة الموحدة (بشقيها الشرقي والغربي) عاصمة لها.

وفي الفترة ما بين عامي 2002 و2006، شيدت إسرائيل جدار الفصل العنصري غير القانوني على أراضي الضفة الغربية، مما أدى إلى عزل القُدس ومحيطها عن بقية المدن الفلسطينية التي احتُلت عام 1967.

(المصدر: ترجمة موجزة لمقال نظمي الجعبة: محطات رئيسية في التاريخ الحضاري للقدس القديمة).

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


bottom of page