top of page
logo.webp

الناصرة

1 يوليو
11 دقيقة قراءة

الناصرة مدينة فلسطينية عربية، وهي مركز قضاء الناصرة الذي يحمل اسمها. وتُعد من أكبر مدن فلسطين وأجملها، وتحتل مكانة دينية خاصة في قلوب المسيحيين في مختلف أنحاء العالم، إذ يقصدونها للحج كما يقصدون كنيسة القيامة في القدس وكنيسة المهد في بيت لحم. وقد ارتبطت المدينة بالسيد المسيح عيسى عليه السلام، ولذلك عُرف باسم يسوع الناصري، كما عُرف أتباعه بالمسيحيين، ويُطلق عليهم أحيانًا الناصريون.

وإذا كانت صفد عاصمة الجليل الأعلى، فإن الناصرة تُعد عاصمة الجليل الأدنى. وقد ظلت المدينة المركز الإداري لقضاء الناصرة منذ أواخر العهد العثماني. واحتلتها إسرائيل عام 1948، وبينما اضطر بعض سكانها إلى النزوح، بقيت الغالبية صامدة رغم قسوة الاحتلال وإهماله المتواصل لشؤون المدينة. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا بعد الاحتلال، لم تشهد الناصرة تطورًا يُذكر، إذ تعثرت مشاريعها، وتفاقمت الأزمات المالية التي واجهت بلديتها. ولم تقتصر معاناة المدينة على الإهمال والتخلف التنموي، بل تعرضت أيضًا لحصار وتضييق من سلطات الاحتلال، التي أقامت مستعمرة الناصرة العليا (نتسيرت عيليت) على قمة جبل مجاور، بهدف فرض السيطرة على سكان المدينة.

أ- الموقع الجغرافي

تقع الناصرة في قلب الجليل الأدنى، وتشرف من الشمال على مرج ابن عامر. ويجعلها موقعها نقطة انتقال بين السهل المنبسط لمرج ابن عامر والتلال الممتدة في الجليل الأعلى. وقد أكسبها هذا الموقع أهمية استراتيجية منذ العصور القديمة، إذ ربطتها عدة طرق فرعية بالطرق الرئيسة الواصلة بين بلاد الشام ومصر من جهة، والأردن وفلسطين من جهة أخرى. وكانت بعض القوافل التجارية تمر عبر الناصرة أثناء عبورها مرج ابن عامر.

وقد حرص الصليبيون وغيرهم من الغزاة على السيطرة على الناصرة ضمن خططهم العسكرية، لما تتيحه من التحكم بالممر الطبيعي عبر مرج ابن عامر، واتخاذها قاعدة للسيطرة على المناطق المجاورة، سواء كانت جبلية أو سهلية أو واقعة في وادي الأردن.

ولا تزال الناصرة تحتفظ بمكانتها مركزًا تجاريًا وسياحيًا وعسكريًا، بفضل موقعها المتوسط بين بيئات جغرافية متنوعة. كما أن مكانتها الدينية تستقطب الحجاج المسيحيين الذين يقصدونها لزيارة المواقع المرتبطة بالسيد المسيح، والاستمتاع بما يحيط بها من مناظر طبيعية.

وتُعد الناصرة أيضًا عقدة مواصلات مهمة، إذ ترتبط بشبكة من الطرق التي تصلها بالمدن والبلدات المجاورة. فالطرق المعبدة تربطها بـ مرج ابن عامر (5 كم)، والعفولة (13 كم)، وجنين، ونابلس، والقدس، والخليل جنوبًا، وطبريا شرقًا، وصفد شمالًا شرقيًا، وشفا عمرو شمالًا غربيًا، وحيفا غربًا، وبيسان جنوبًا شرقيًا. وبذلك تشكل الناصرة حلقة وصل بين المدن والقرى الجبلية الفلسطينية، والسهل الساحلي، ووادي الأردن، والدول المجاورة مثل لبنان وسوريا والأردن ومصر.

ب- الخصائص الطبيعية للأرض

تقع الناصرة على ارتفاع متوسط ضمن منطقة الجليل الأدنى، إذ ترتفع نحو 400 متر فوق مستوى سطح البحر، ونحو 300 متر فوق مستوى مرج ابن عامر. وتحيط بها جبال مرتفعة تشكل جزءًا من سلسلة جبال الجليل الأدنى، الممتدة من الغرب إلى الشرق، والتي تنحدر تدريجيًا نحو مرج ابن عامر. وتتخلل هذه السلسلة أودية عرضية تسير في الاتجاه نفسه.

ويُعد موقع الناصرة ملائمًا للاتصال بالمناطق المجاورة في الاتجاه الشرقي–الغربي أكثر من الاتجاه الشمالي–الجنوبي. ومن أبرز الجبال المحيطة بها جبل الطور شرقًا، وجبل سرطبة شرقًا، وجبل القفزة وتل العدسية جنوبًا شرقيًا، وجبل الشيخ شمالًا شرقيًا، وجبل الرينة شمالًا.

وتقع الناصرة على خط تقسيم المياه بين حوض نهر الأردن شرقًا والبحر الأبيض المتوسط غربًا؛ إذ تتجه مياه أوديتها شرقًا نحو نهر الأردن، وغربًا نحو البحر المتوسط. كما تحيط بها عدة ينابيع وآبار، من أبرزها عين العذراء، وعين القناة، وعين أبو راس، وعين القسطل، وعين موسى.

ج- المناخ

تتمتع الناصرة بمناخ البحر الأبيض المتوسط، الذي يتسم بصيف حار وجاف وشتاء معتدل وماطر. ويبلغ متوسط درجة الحرارة السنوي نحو 17°م، ولا يتجاوز متوسط درجة الحرارة اليومية خلال الفترة الممتدة من كانون الأول/ديسمبر إلى آذار/مارس 11°م. ويُعد كانون الثاني/يناير أبرد شهور السنة، بمتوسط يبلغ 9°م، في حين يُعد آب/أغسطس أكثرها حرارة، بمتوسط يصل إلى 24°م. وفي بعض الأحيان، تهب على المدينة رياح شمالية باردة خلال فصل الشتاء، تؤدي إلى تساقط الثلوج على الجبال المحيطة بها.

ويبلغ متوسط الهطول المطري السنوي نحو 639 ملم، وتهطل معظم الأمطار بين أيلول/سبتمبر وأيار/مايو، ويُعد كانون الثاني/يناير أكثر الشهور مطرًا، بمتوسط يبلغ 173.2 ملم. وبفضل غزارة الأمطار وانخفاض درجات الحرارة شتاءً، تتمتع المنطقة بفائض مائي يسهم في وفرة الينابيع والجداول.

د- النشأة والتطور

تشير الاكتشافات الأثرية إلى أن الناصرة كانت مأهولة بالسكان منذ العصر البرونزي الأوسط والعصر الحديدي، وقد عُثر فيها على مقابر منحوتة في الصخور والكهوف.

ولم تكن الناصرة مدينة ذات شأن في العصور القديمة، ولم يرد ذكرها في العهد القديم أو في المصادر السابقة للأناجيل. إلا أن مكانتها برزت بعد القرن الثاني الميلادي، إثر تدمير الإمبراطور الروماني هادريان لمدينة القدس وطرد اليهود منها.

1- مدينة المسيح

تستمد الناصرة أهميتها التاريخية من ارتباطها بالسيد المسيح عيسى عليه السلام والسيدة مريم العذراء. ففيها أقامت مريم العذراء ويوسف النجار، وفيها بشّر الملاك جبريل بميلاد المسيح، كما قضى فيها السيد المسيح ثلاثين عامًا من حياته. وفي الناصرة أيضًا كاد بعض اليهود من سكان المدينة أن يلقوا به من أعلى الجرف الصخري (لوقا 4:29).

على الرغم من ذلك، مُنع المسيحيون في البداية من دخول الناصرة خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين. غير أن تاريخ المدينة بدأ يشهد تحولًا منذ القرن الرابع الميلادي، بعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين المسيحية.

ورغم الاعتقاد بأن الإمبراطورة هيلانة، والدة قسطنطين، قد شيدت كنيسة البشارة في القرن الرابع الميلادي، فإن الأدلة الأثرية تشير إلى أن الكنيسة بُنيت نحو عام 450م. وقد أتاح اعتناق قسطنطين للمسيحية للحجاج المسيحيين زيارة الناصرة والصلاة في المواقع المرتبطة بالسيد المسيح ووالدته.

وفي عام 614م، انضم يهود الناصرة إلى الفرس في حربهم ضد البيزنطيين.

2- في العهدين الأموي والعباسي

في بدايات العصر الإسلامي، دخلت الناصرة تحت الحكم الإسلامي على يد قوات شرحبيل بن حسنة في السنة الثالثة عشرة للهجرة (634م). وكانت آنذاك تابعة لـجند الأردن، الذي كانت طبريا عاصمته. وفي 104هـ/722م، زار الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك الناصرة، وأشار إلى وجود كنيسة البشارة فيها.

وخلال العصر العباسي، أصبحت الناصرة نموذجًا للتعايش الديني. وقد وصفها الرحالة برنارد الحكيم، الذي زارها عام 869م، بأنها مدينة يسودها الوئام بين المسلمين والمسيحيين.

3- خلال العصر الصليبي

تعرضت الناصرة لدمار واسع خلال العصر الصليبي في القرن الحادي عشر، إذ وجدها الصليبيون مدينةً مهدمة عند احتلالها عام 1100م. وأعاد الصليبيون، بقيادة تانكريد، بناء المدينة وتجميلها، فشيّدوا فيها الكنائس، وجعلوا منها مقرًا لأسقفية سكيثوبوليس (بيسان).

وفي عام 1187م، عقب معركة حطين، استولى القائد المظفر تقي الدين، أحد قادة صلاح الدين الأيوبي، على الناصرة، وأبقى كنائسها دون مساس. وبعد اتفاق أُبرم مع ريتشارد قلب الأسد، استعاد الصليبيون السيطرة على المدينة لفترة وجيزة عام 1196م.

4- عصر تدمير الناصرة

تعرضت الناصرة لضربة قاسية عام 1263م، عندما اجتاحها السلطان الظاهر بيبرس، فدمّر كنائسها وقتل عددًا كبيرًا من سكانها المسيحيين. وفي عام 1271م، احتلها لفترة قصيرة الملك الإنجليزي إدوارد خلال الحملة الصليبية التاسعة.

وبحلول أواخر القرن الثالث عشر، أُخرج الصليبيون من المدينة، وبدأت الناصرة تفقد مكانتها، لتدخل في مرحلة من الإهمال استمرت أكثر من ثلاثمائة عام.

5- في العهد العثماني

في سنة 923هـ (1517م)، دخلت الناصرة تحت الحكم العثماني. وتشير روايات الرحالة الأوروبيين منذ منتصف القرن السادس عشر إلى خلو المدينة من الرهبان، وإلى أن عدد المسيحيين فيها كان قليلًا. وفي سنة 1015هـ (1606م)، أُبرمت معاهدة بين السلطان العثماني أحمد الأول وهنري الرابع ملك فرنسا، منحت الأخير حق تعيين قناصل في المدن، الأمر الذي أدى إلى تحسن أوضاع الرهبان.

وفي سنة 1030هـ (1620م)، سلّم الأمير فخر الدين الثاني المعني، أمير جبل لبنان، مغارة البشارة إلى الرهبان الفرنسيسكان. ومنذ ذلك الحين، أخذت أعداد الحجاج المسيحيين الوافدين إلى الناصرة في التزايد. واستقر في المدينة في البداية مسيحيون من طائفة الموارنة، ثم تبعهم المسيحيون الأرثوذكس. وخلال القرن السابع عشر، تعرضت الناصرة لهجمات متكررة من بعض القبائل العربية، وكان الحكام يطردون الرهبان أحيانًا، إلا أنهم كانوا يعودون إليها في كل مرة.

في عام 1143هـ (1730م)، شيّد اللاتين كنيسة في الناصرة. وشهدت المنطقة فترة من التسامح الديني في عهد الأمير فخر الدين الثاني، ثم في عهد ظاهر العمر، الذي استولى على عكا عام 1163هـ (1749م) واتخذها عاصمةً له، ومنح حرية العبادة، وأرسى الأمن، وعمل على تنشيط التجارة، وكان له دور بارز في تطوير مدينة الناصرة. وبعد اغتيال ظاهر العمر عام 1190هـ (1776م)، خلفه أحمد باشا الجزار، الذي حكم البلاد بالترهيب.

شهد القرن الثامن عشر صراعات بين الطائفتين الأرثوذكسية اليونانية واللاتينية. وفي أواخر ذلك القرن، وصف الرحالة الفرنسي فولني مدينة الناصرة بقوله: «يشكل المسلمون ثلث سكانها، بينما يشكل المسيحيون الثلثين. وللرهبان الفرنسيسكان مساكن وكنائس فيها، وهم يهيمنون على المدينة.»

وفي نيسان/أبريل 1214هـ (1799م)، احتل نابليون مدينة الناصرة وزارها، لكنه انسحب منها بعد هزيمته أمام أسوار عكا (انظر: الحملة الفرنسية).

وفي 1242هـ (1826م)، سمح السلطان العثماني محمود للرهبان الفرنسيسكان بتحديد بعض المواقع، ومنحهم الناصرة وعددًا من القرى المجاورة، مقابل دفع الضرائب للدولة.

وذكر الرحالة بوركهارت، الذي زار الناصرة عام 1227هـ (1812م)، ما يلي: «يتمتع مسيحيو الناصرة بقدر كبير من الحرية. وكان الرهبان يخرجون منفردين للصيد، وفقًا لعاداتهم، على مسافات بعيدة عن الدير، دون أن يتعرضوا لأي إساءة من المسلمين.»

تمتعت الناصرة، شأنها شأن سائر أنحاء البلاد، بفترة من التسامح خلال حكم إبراهيم باشا، نجل محمد علي باشا حاكم مصر، بين عامي 1831 و1841. وقد مثّل عهده بداية مرحلة جديدة من الإدارة الحديثة (انظر: الحكم المصري).

وفي القرن التاسع عشر، دخلت الدولة العثمانية مرحلة الإصلاحات، المعروفة باسم التنظيمات، وبدأت العمل على تحسين أوضاع رعاياها. ومنذ مطلع القرن التاسع عشر، تزايد وصول البعثات والإرساليات الأجنبية إلى الناصرة، حيث شيدت الكنائس والأديرة والمؤسسات التعليمية الخاصة بمختلف الطوائف.

تعرضت الناصرة، شأنها شأن المدن الجبلية الأخرى في فلسطين، للزلزال المدمر الذي وقع عام 1837، والذي أدى إلى تدمير 424 منزلًا، وإلحاق أضرار بـ373 منزلًا آخر، ومقتل 126 شخصًا.

وقبيل الحرب العالمية الأولى، كانت الناصرة تتكون من أربع تلال تتخذ شكلًا دائريًا. ولم تكن المباني تغطي جميع هذه التلال؛ إذ كانت تتجمع في بعض المواضع بكثافة، بينما تفصل بينها تلال في مواضع أخرى. وكانت معظم المباني مغطاة بالقرميد الأحمر، وتحيط بها أشجار الفاكهة، ولا سيما أشجار الزيتون. وفي ذلك الوقت، لم يتجاوز عدد المباني 1,500 مبنى، وامتد العمران بصورة واسعة نحو الشرق والغرب.

وفي عام 1852، قُدّر عدد سكان الناصرة بنحو 3,000 نسمة. وارتفع العدد إلى نحو 5,939 نسمة عام 1881، ثم إلى 6,458 نسمة عام 1904، وبلغ 7,988 نسمة عام 1912، ووصل إلى 8,584 نسمة خلال الحرب العالمية الأولى. وكان سكان المدينة يعملون في الزراعة والصناعة والتجارة.

وخلال الحرب العالمية الأولى، اتخذ الجيش الألماني–العثماني من الناصرة مقرًا لقيادته.

6. في عهد الانتداب البريطاني

في السنوات الأولى من عهد الانتداب البريطاني، انخفض عدد سكان الناصرة قليلًا مقارنة ببداية الحرب العالمية الأولى، إذ قُدِّر عددهم بنحو 7,424 نسمة عام 1922. ويُعزى هذا التراجع إلى آثار الحرب، وانتشار الأوبئة، والمجاعات، وهجرة عدد من سكان الناصرة إلى خارج فلسطين. وفي تعداد عام 1931، ارتفع عدد السكان إلى 8,756 نسمة، كانوا يقيمون في 1,834 منزلًا داخل المدينة، إضافة إلى 138 نسمة سكنوا 28 منزلًا في ضواحي الناصرة.

بعد ذلك، شهدت الناصرة تطورًا ملموسًا على صعيدي النمو السكاني والعمراني. فقد ارتفع عدد سكانها، وجميعهم من العرب، إلى 14,200 نسمة عام 1945، ثم بلغ نحو 17,000 نسمة مع نهاية عهد الانتداب البريطاني. وقد انعكس هذا النمو السكاني بصورة مباشرة على توسع المدينة من حيث المساكن والمرافق العامة والبنية التحتية. وامتد العمران على مساحة تجاوزت 5,000 دونم، متخذًا محاور تربط الناصرة بالبلدات والقرى المجاورة. ولم يقتصر التطور على زيادة عدد المباني، بل شمل أيضًا تحسين جودتها وطرازها المعماري، حتى اشتهرت الناصرة بمنازلها البيضاء الفخمة المزودة بوسائل الراحة الحديثة، وشوارعها النظيفة، وحدائقها الغنّاء.

أسهمت بلدية الناصرة بدور بارز في تنظيم المدينة وإدارتها منذ تأسيس أول مجلس بلدي فيها عام 1875. ففي عام 1922، بلغ إجمالي إيرادات البلدية نحو 4,308 جنيهات، وتساوت تقريبًا مع قيمة نفقاتها. وبحلول عام 1944، ارتفعت الإيرادات إلى نحو 18,000 جنيه، في حين بلغت النفقات حوالي 17,000 جنيه. وفي عام 1935 وحده، أصدرت البلدية ما يقارب 150 رخصة بناء بلغت قيمتها الإجمالية نحو 17,000 جنيه.

7. في ظل الاحتلال الإسرائيلي

واصلت بلدية الناصرة إدارة شؤون المدينة بعد عام 1948، رغم ظروف الاحتلال الإسرائيلي القاسية. وأنشأت إسرائيل مدينة الناصرة العليا (نتسيرت عيليت) كمستوطنة حديثة على الجبال والتلال المحيطة بالمدينة من جهتي الشرق والشمال. وأُسكنت فيها مجموعات من المستوطنين اليهود، حيث خُصصت الأحياء الشرقية لهم، بينما خُصصت المنطقة الشمالية لعائلات الجنود الإسرائيليين.

بحلول عام 1983، بلغ عدد السكان العرب في الناصرة نحو 41,700 نسمة، وارتفع إلى 62,200 نسمة بحلول عام 2001. وفي المقابل، بلغ عدد سكان الناصرة العليا (الجزء اليهودي) نحو 23,600 نسمة عام 1983، وازداد إلى 44,800 نسمة عام 2001. ومع ذلك، بلغت ميزانية بلدية الناصرة العليا اليهودية 17 مليون ليرة إسرائيلية، في حين لم تتجاوز ميزانية بلدية الناصرة العربية 30 مليون ليرة. ويزداد هذا التفاوت بسبب الدعم غير المباشر الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية لبلدية الناصرة العليا من خلال مخصصات مشاريع التطوير. وبذلك، يبلغ نصيب الفرد من الخدمات البلدية في الناصرة العليا 5,000 ليرة سنويًا، مقارنة بـ 1,500 ليرة فقط للفرد في الناصرة العربية.

هـ) الهيكل الوظيفي لمدينة الناصرة

اضطلعت الناصرة، منذ نشأتها، بمجموعة متنوعة من الوظائف، بفضل مكانتها الدينية المرموقة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، اللذين اجتذبا أعدادًا كبيرة من السكان لممارسة مختلف الأنشطة.

1) الوظيفة الدينية

تتمتع الناصرة بمكانة دينية تضاهي مكانة المدن المقدسة الأخرى في فلسطين، مثل القدس وبيت لحم والخليل. وتضم 24 كنيسة وديرًا، إلى جانب عدد من المتاحف الدينية. كما تضم عددًا من المساجد ومقامات الشهداء والأولياء المسلمين. ويُعد كنيسة البشارة أبرز معالمها الدينية، إذ شُيدت في الموقع الذي بُشرت فيه السيدة مريم العذراء بولادة السيد المسيح. وإلى جانبها تقع كنيسة القديس يوسف، التي تقوم في موقع منزل يوسف وورشته، بالإضافة إلى كنيسة المائدة (العشاء الأخير)، وكنيسة سيدة الرحمة، وكنيسة المجمع، وعين العذراء.

وقد أسهمت المكانة الدينية للناصرة في استقطاب آلاف الحجاج والسياح المسيحيين سنويًا، مما أوجد نشاطًا اقتصاديًا وحركةً حيويةً في المدينة.

2) الوظيفة الزراعية

تبلغ المساحة الإجمالية لأراضي الناصرة 1,226 دونمًا، منها 150 دونمًا مخصصة للطرق والأودية. ولم يكن اليهود يمتلكون أي أراضٍ في المنطقة قبل الاحتلال، إلا أنهم استولوا بعده على جزء من الأراضي الجبلية وأقاموا عليها مستوطنة صهيونية، في إطار سياسة تهويد الناصرة.

وتنتشر الأراضي الزراعية المحيطة بالناصرة على السفوح والمرتفعات الجبلية، وكذلك في الأودية والسهول، ويُعد مرج ابن عامر أكثرها خصوبة. وتزرع فيها أشجار الفاكهة، مثل العنب والزيتون والتفاح والمشمش والتين والرمان واللوز. كما تغطي الغابات مساحات واسعة من السفوح الجبلية شديدة الانحدار. وقد زرع اليهود غابة بلفور جنوب غربي الناصرة تخليدًا لوعد بلفور، وتمتد هذه الغابة بمحاذاة طريق العفولة–الناصرة، مما يضفي منظرًا طبيعيًا جميلًا على الطريق.

كما تُزرع في الأراضي الزراعية المحيطة بالناصرة المحاصيل الحقلية، مثل القمح والشعير والعدس والفول والحمص، إلى جانب الخضروات. وتعتمد الزراعة في الناصرة على مياه الأمطار والمياه الجوفية المستخرجة من الينابيع والآبار لري الأراضي المستوية وأراضي الأودية. وعلى الرغم من أهمية النشاط الزراعي في الناصرة، فإنها لا تزال تعتمد على القرى المجاورة في تزويدها بالخضروات والفواكه. ومن أبرز القرى الزراعية المحيطة بها: كفر كنا، الرينة، دبورية، يافة الناصرة، وإكسال.

3) الوظيفة التجارية

كانت الناصرة، منذ مطلع القرن العشرين، مدينة مزدهرة تنشط فيها الحركة التجارية، حيث كان سكان القرى المجاورة يقصدونها لشراء احتياجاتهم. إلا أن النشاط التجاري شهد تراجعًا بعد الحرب العالمية الأولى مع إنشاء عدد من المستعمرات الصهيونية، وما رافق ذلك من تهجير للقرى العربية المجاورة، فلم تعد تلك المستعمرات تعتمد على الناصرة في تجارتها. ومع ذلك، ظلت الناصرة سوقًا رئيسية لسكان القرى المجاورة، الذين كانوا يجلبون إليها المنتجات الزراعية والحيوانية لتسويقها.

وتُعد السياحة من أهم العوامل التي أسهمت في تنشيط الحركة التجارية في الناصرة، إذ تستقبل المدينة أعدادًا كبيرة من الحجاج المسيحيين سنويًا، الذين يشترون مختلف التذكارات والهدايا ويحملونها إلى بلدانهم. كما يسهم الموقع الجغرافي للمدينة وشبكة الطرق الواسعة التي تربطها بمختلف أنحاء فلسطين والدول العربية في تعزيز نشاطها التجاري، فضلًا عن قربها من مينائي حيفا وعكا.

4) الوظيفة الصناعية

اشتهرت الناصرة تاريخيًا بصناعة المنسوجات، ولا سيما المناشف والجوارب. كما كانت تُنتج الأدوات الزراعية مثل المناجل والمحاريث. وتُعد التجارة وصناعة الأخشاب من أقدم الصناعات في المدينة. ومن الصناعات الأخرى: دباغة الجلود، وخياطة الفراء، وصناعة الفخار، وإنتاج التذكارات المصنوعة من السجاد والنحاس والخشب المنقوش. كما عُرفت نساء الناصرة بإنتاج التطريز الحريري. وضمّت المدينة معاصر لزيت الزيتون وزيت السمسم، إضافة إلى مصانع للصابون والسجاد وصناعة الحلويات.

5) الوظيفة الإدارية

أصبحت الناصرة مركزًا لمنطقة الناصرة بعد الاحتلال الإسرائيلي. أما في العهد العثماني، فكانت تتبع لواء عكا، وفي عهد الانتداب البريطاني أصبحت مركزًا لمنطقة الجليل التي ضمت خمسة أقضية هي: الناصرة، وعكا، وبيسان، وصفد، وطبرية.

وفي عام 1904، ضم قضاء الناصرة 25 قرية، وارتفع العدد إلى 37 قرية ومزرعة عام 1910. وبحلول نهاية الانتداب البريطاني، كان القضاء يضم 23 قرية وقبيلة بدوية واحدة.

وفي عام 1945، بلغت مساحة قضاء الناصرة نحو 497 كيلومترًا مربعًا، منها 8 كيلومترات مربعة مخصصة للطرق والأودية وخطوط السكك الحديدية. وبلغ عدد سكان القضاء آنذاك 46,100 نسمة، بكثافة سكانية بلغت 92.4 نسمة لكل كيلومتر مربع. وتضم مدينة الناصرة عددًا من الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة والخدمات التي تخدم سكان المدينة والمناطق المحيطة بها.

6) الوظيفة التعليمية

في السنوات الأولى من عهد الانتداب البريطاني، ضمت الناصرة عدة مدارس، منها مدرستان حكوميتان، ومدرسة كاثوليكية، وعدد من المدارس الأجنبية. كما احتضنت معهد المعلمين الروسي، الذي كان من أبرز المؤسسات التعليمية آنذاك. وبحلول العام الدراسي 1942–1943، أصبح في الناصرة ثلاث مدارس حكومية: مدرستان للبنين ومدرسة للبنات. وتحولت إحدى مدرستي البنين إلى مدرسة ثانوية كاملة عام 1948، بينما بقيت المدرستان الأخريان مدرستين ابتدائيتين كاملتين للبنين والبنات. وبحلول عام 1943، كان في الناصرة 11 مدرسة غير حكومية، ضمت 1,735 طالبًا و1,224 طالبة.

وتعكس هذه الأرقام المستوى الفكري والثقافي المتقدم الذي شهدته الناصرة، والذي أسهم في تخريج أعداد كبيرة من المعلمين والمثقفين والكتّاب.

7) الوظيفة الصحية

توفرت في الناصرة خدمات صحية جيدة لسكانها. فقد ضمت المدينة مستشفيين: مستشفى إنجليزي كان يضم 72 سريرًا عام 1944، وعالج في ذلك العام 1,731 مريضًا، ومستشفى فرنسي ضم 88 سريرًا، وعالج 1,278 مريضًا خلال العام نفسه.


المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


bottom of page